الرباط، الجمعة 13 أبريل 2018


بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله وآله الأكرمين

 

السيدات والسادة الوزراء

السيدات والسادة النواب

السيدات والسادة،

نفتتح بعون الله أشغال الدورة التشريعية الثانية من السنة التشريعية 2017-2018 طبقا لأحكام الدستور ومقتضيات النظام الداخلي لمجلس النواب.

ولئن كان من باب التقليد أن نستعرض معا في الجلسة الافتتاحية  للدورة حصيلة أعمال مجلسنا بين الدورتين، فإن افتتاح هذه الدورة يتم في سياق وطني تميزه التعبئة الوطنية حول قضية الوحدة الترابية للمملكة، ما يجعل هذا الموضوع يتصدر الأجندة الوطنية، ومنها بالطبع برنامج عمل مجلس النواب.

فكما نتابع ونعيش جميعنا بوجداننا، كمغاربة أولا، وكمكونات سياسية وممثلين للمواطنين، تعرف قضيتنا الوطنية تطورات خاصة تتمثل في الاستفزازات التي يمارسها خصوم وحدتنا الترابية والذين يحاولون وضع بلادنا أمام الأمر الواقع، وخلط الأوراق وخلق حالة جيوسراتيجية جديدة بالتموقع في المنطقة المسماة وفق الأمم المتحدة عازلة.

وقد كان رد المغرب حاسما وقويا إزاء هذه الاستفزازات والمناورات، وعبر الشعب المغربي بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس أعزه الله عن موقف موحد، وصارم رافض لهذه الاستفزازات ولأي تغيير في الوضع القائم في الأقاليم الجنوبية المغربية.

وقد كثفت الرسالة التي بعث بها صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى الأمين العام للأمم المتحدة السيد أنطونيو غوتيريس يوم 04 أبريل 2018 هذا الموقف الوطني الصارم والحاسم، إذ أكد جلالته أن الأعمال التي يقوم بها خصوم الوحدة الترابية للمملكة المغربية “تشكل تهديدا لوقف إطلاق النار المعلن في الصحراء منذ 6 شتنبر 1991 وانتهاكا للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة ” كما تقوض بشكل جدي المسلسل السياسي الجاري تحت الرعاية الحصرية للأمم المتحدة  عبر المبعوث الشخصي السيد هورست كوهلر”.

لقد أطرت الرؤية الملكية المتبصرة والاستباقية في التعاطي مع تجاوزات واستفزازات الخصوم، ووجهت، المبادرات السياسية والاتصالات الدبلوماسية التي قام بها المغرب في اتجاه مجلس الأمن والمينورسو، من أجل وضع الجميع في صورة هذه التجاوزات والتحذير من مخاطرها وأهدافها، وما تشكله من تهديد للأمن والاستقرار في المنطقة.

ومن البديهي أن يكون مجلس النواب في قلب هذه التعبئة الوطنية المتجددة، إذ ترأسنا اجتماعا مشتركا طارئا للجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة القاطنين بالخارج بمجلس النواب، ولجنة الخارجية و الحدود و الدفاع الوطني و المناطق المغربية المحتلة بمجلس المستشارين بحضور السيد رئيس مجلس المستشارين ووزراء الداخلية والخارجية والتعاون الدولي، والعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، بمشاركة  أعضاء مكتب المجلس ورؤساء الفرق والمجموعة البرلمانية وعدد كبير من أعضاء مجلس النواب. وكان هذا الاجتماع مناسبة وضع فيها وزيرا الداخلية والخارجية والتعاون الدولي أعضاء البرلمان في صورة تطورات قضية الوحدة الترابية وخلفيات الاستفزازات والخروقات التي يقوم بها خصوم الوحدة الترابية والخطوات المزمع اتخاذها لوقف هذه التجاوزات. ومن جهتهم عبر رؤساء وممثلو الفرق والمجموعات البرلمانية عن تنديدهم القوي بهذه الممارسات وجددوا التعبير عن التصميم الوطني الأكيد على التصدي لأي استفزاز أو تجاوز يحاول خلق وقائع جديدة على الأرض.

واستمرارا لتلك التعبئة الشعبية والحزبية والمدنية، انعقد يوم 9 أبريل 2018، بمدينة العيون لقاء وطني ثعبوي شارك فيه قادة الأحزاب السياسية الوطنية.

ومنتخبو جهة العيون الساقية الحمراء وجهة الداخلة وادي الذهب ومكونـات المجتمع المدني المحلي، وتوج بإعلان العيون الذي يكثف الموقف الوطني من آخر تطورات القضية الوطنية.

الزميلات والزملاء،

السيدات والسادة،

إذا كان ثمة من عِبَرٍ يمكن أخذها، ومن دروس ينبغي استخلاصها، ومن رسائل ينغي للخصوم استيعابها وتعلمها، فإنها تتمثل في:

أولا: أنه عندما يتعلق بالأمر بالقضية الوطنية وبمسألة السيادة على الأرض، فإن الإجماع الوطني ثابت، والجبهة الداخلية أقوى، إذ أنه مهما تكن اختلافاتنا وخلافاتنا، وحتى تناقضاتنا فإنهـا تذوب وتختفي من أجل مصلحة الوطن. وتلكم روح 11 يناير 1944، وروح ثروة الملك والشعب و روح المسيرة الخضراء، وروح التوافق حول دستور 1996 و2011، وأن الالتفاف الوطني خلف جلالة الملك لن تزيده مناورات الخصوم إلا اتساعا وقوة.

ثانيا: ينبغي لخصوم وحدة التراب الوطني أن يدركوا جيدا، أن مسألة السيادة على الأرض محسومة بالشرعية التاريخية والقانون الدولي وبالوجود والبناء على الأرض، وبانخراط سكان الأقاليم الجنوبية في مسلسل التنمية والبناء المؤسساتي والديمقراطي، وتجديد التعبير عن انتمائهم للوطن، وبأن محاولات وضعنا أمام الأمر الواقع، ومحاولة توهيم الرأي العام الدولي بأن الأمر يتعلق بمسألة حدود، لن تنطلي على المغرب؛

ثالثا: على المجموعة الدولية وعلى الأمم المتحدة بالتحديد (وأقولها وأنا رئيس للسلطة التشريعية ولمجلس يجسد سيادة الأمة)، أن تتحمل مسؤولياتها كاملة، في لَجْمِ الخصوم وإجبارهم على احترام بنود وقف إطلاق النار كما أعلن في شتنبر 1991، وأن تدرك تجاوزاتهم، كما قال جلالة الملك، تقوض بشكل جدي المسلسل السياسي الجاري تحت الرعاية الحصرية للأمم المتحدة، التي عليها أن تدرك أيضا أن استفزازات الخصوم من شأنها أن تقوض الاستقرار في المنطقة التي ليست في حاجة إلى مزيد من التوتر، وأن ما من دولة اليوم تتساهل في مسألة السيادة ووحدة التراب الوطــني، وأن المغرب لن يظل يقبل إلى ما لا نهاية بممارسات حفنة شاردة غير مسؤولة، جانحة متحكمة و مدللة ومتمردة على القانون الدولي.

الزميلات والزملاء،

السيدات والسادة،

سيواصل مجلس النواب تعبئته من أجل القضية الوطنية وتعرية خلفيات انتهاكات الخصوم للقانون الدولي، والتعريف بشرعية الموقف الوطني، بنفس التصميم، وبِنَفَسٍ أقوى وبخطاب يكون محتواه متساوقا مع تحديات المرحلة وما تتطلبه تجاوزات الخصوم من حزم وصرامة، علما بأن قضية وحدتنا الترابية كانت حاضرة بقوة في مجمل المهام والاتصالات التي قمنا بها في إطار الدبلوماسية البرلمانية على المستويات الثنائية والمتعددة الأطراف.

فقد كانت في صلب المباحثات التي أجريناه بمناسبة الزيارات التي قمنا بها إلى كل من تونس وجمهورية مصر العربية، وخلال استقبالنا لعدد من رؤساء المجالس البرلمانية والوفود البرلمانية والحكومية .

الزميلات و الزملاء،

لا نختلف في أن ربح رهان تثبيث مشروعية حقوقنا الوطنية، بقدر ما يتطلب التعبئة الوطنية وتقوية الجبهة الداخلية، بقدر ما يتطلب مواصلة البناء المؤسساتي وترسيخ الديمقراطية وتعزيز الإصلاحات و تقوية المؤسسات و صيانة الحقوق و مواصلة تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية و تقوية مناعة النسيج الاقتصادي الوطني ليكون أكثر تنافسية و إنتاجا لمناصب الشغل و للقيم المضافة.

و في هذا السياق  يمكن وضع الدينامية التشريعية التي عرفها مجلس النواب خلال الفترة ما بين الدورتين، والتي تميزت بعقد دورة استثنائية بطلب من الحكومة صادقنا خلالها على ثلاثة مشاريع قوانين.

و يتعلق الأمر بقوانين ذات أهمية كبرى بالنسبة للنسيج الإقتصادي الوطني وتقوية المقاولة الوطنية و مساعدتها من جهة،  و تكريس التكافل الأسري و الاجتماعي من جهة أخرى، وكما تلاحظون،فإن مشاريع النصوص التي عرضت للمناقشة والتصويت خلال الدورة الاستثنائية، تعكس الدينامية التشريعية الوطنية واليقظة في ضرورة إيجاد الأجوبة التشريعية الضرورية للإشكالات والمعضلات والقضايا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المطروحة. وهنا تكمن أهمية التشريع وقيمته الذي ينبغي أن تكتمل بالتنفيذ وإصدار ما يلزم من نصوص تنظيميـة، حتى يلمس المجتمع أثر التشريع على الحياة العامة وعلى العلاقات الاجتماعية، وعلى الإنتاج وعلى صيانة الحقوق. وسواء تعلق الأمر بمشروع القانون المغير والمتمم للقانون المتعلق بمدونــة التجارة، أو مشروع قانون بشأن تنظيم التكوين المستمر لفائدة أجراء القطاع الخاص الذي ما يزال معروضا على البرلمان، فإن الأمر يتعلق بالحرص على الحفاظ على الدينامية الاقتصادية الوطنية والحفاظ على المقاولة الوطنية باعتبارها ركيزة أساسية للتشغيل، وتعزيـز تنافسيتها، والوقـوف إلى جانبها ومواكبتها حفاظا على النسيج المقاولاتي الوطني وعلى مناصب الشغل، في سياق دولي تحتدم فيه المنافسة.

ومن جهة أخرى صادقنا على مشروع قانون بشأن مؤسسات الرعاية الاجتماعية، وهو نص يدخل في صميم تكريس قيم المجتمع المغربي المتضامن للحفاظ على الإيجابي والمتنور من تقاليده، والذي يعتني بشرائحه الهشة، بل وينبغي عليه تكريمها وإحاطتها بما يلزم من عناية ورعاية.

وتميزت الفترة الفاصلة بين الدورتين أيضا بمواصلة اللجان النيابية الدائمة أشغالها إذ صادقت على 11 مشروع قانون و مشروع مرسوم واحد.

وقد عقدت اللجان النيابية لهذا الغرض خمسة عشر اجتماعات بالاضافة إلى اجتماع واحد في إطار مهامها الرقابية.

الزميلات و الزملاء،

السيدات والسادة،

سيكون على مجلسنا تسريع أشغاله و الحرص على دراسة مشاريع النصوص المعروضة عليه والمصادقة عليها و البالغ عددهـا 19 مشروع نص قيد الدرس باللجان النيابية، علما بأننا نتطلع إلى تجاوب الحكومة مع مقترحات القوانين المعروضة على المجلس.

و في جدول أعمال هذه الدورة أيضا مناقشة تقرير المجموعة الموضوعاتية المكلفة بتقييم السياسات العمومية و الذي تمحور هذه السنة حول البرنامج الطرقي بالمناطق الجبلية؛ و لا تخفى عليكم أهمية هذا الاختصاص المكفول دستوريا للبرلمان في إعمال مبادئ ربط المسؤولية بالمحاسبة، والشفافية، وتجويد الخدمـات العمومية وتَبَيُّنِ أثر السياسات العمومية على المجتمع.

و سنواصل بالطبع أداء مهامنا الرقابية على مستوى الجلسات العامة، و في إطار اللجـان النيابية الدائمـة؛ و سيكون عليها في هذا الإطار مناقشة تقارير المهام الاستطلاعية الجاهزة، و استكمال أعمال المهام الاستطلاعية التي شرع فيها و انجاز مهام جديدة.

و في مجال الدبلوماسية البرلمانية سنكون على موعد مع عدد من الاستحقاقات الثنائية والمتعددة الأطراف. وهكذا سيحتضن البرلمان المغربي أشغال المنتدى البرلماني المغربي – الفرنسي خلال يونيو 2018 ويشارك بعد أيام قليلة في أشغال المنتدى البرلماني المغربي الإسباني؛ ويتعلق الأمر بقمتين برلمانيتين سيتم خلالهما تدارس قضايا في غاية الاهمية بالنسبة لبلادنا وشركائنا.

وسيحتضن مجلس النواب خلال الخريف القادم ندوة دولية حول الهجرة بشراكة مع الاتحاد البرلماني الدولي والذي أعطى موافقته على احتضان بلادنا لهذه التظاهرة الدولية التي ستنعقد بموازاة مع المؤتمر الدولي حول الهجرة الذي سينعقد في دجنبر بالمغرب.

وستتميز هذه الدورة أيضا باستحقاق هام يتمثل في استكمال عضويتنا في برلمان عموم إفريقيا خلال الدورة القادمة لهذا البرلمان التي ستنعقد من 09 إلى 22 مايو بجنوب إفريقيا. ويعتبر هذا الانضمام حاسما بالنسبة لبلادنا بعد أن استعادت المملكة مقعدها في الاتحاد الإفريقي، وبالنظر إلى المكاسب الحاسمة التي تحققها بلادنا في إفريقيا بفضل سياسة جلالة الملك محمد السادس واستراتيجية جلالته المفضلة للتعاون جنوب – جنوب والمتوجهة إلى المستقبل.

وما من شك في أن عضويتنا في هذا البرلمان ستعزز مكانة مجلسنا في القارة الإفريقية التي نجحنا في أن نوطد علاقاتنا راسخة ومؤسسية مع عدد من البرلمانات الوطنية بها وكذا مع البرلمانات الجهوية من قبيل برلمان المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا التي أرسينا معه حوارا مؤسسيا ونظمنا معه أنشطة تهم حال ومستقبل القارة.

ومن الطبيعي ألا يثنينا هذا الاهتمام  بإفريقيا عن اهتمامنا لمجالات جغرافية أخرى إذ رسخنا حضورنا من خلال شعب مجلس النواب في إطارات برلمانية متعددة الأطراف الإقليمية والدولية من قبيل الاتحاد البرلماني الدولي الذي عملنا في إطاره كرئاسة للاتحاد البرلماني العربي وكشعبة وطنية على تحقيق مكسب يتعلق بوضع القدس الشريف إذ صادقت الدورة 138 للاتحاد مؤخرا بجنيف على توصية في هذا الصدد ترفض قرار الرئيس الأمريكي بشأن اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل.

هذه بعض المهام المطروحة علينا علما بأن قضية وحدتنا الترابية ستظل تتصدر اهتماماتنا واتصالتنا. فعلينا أن نظل يقيظين واستباقيين ومؤثرين خلال المنتديات البرلمانية الثنائية ومتعددة الأطراف، وعلينا التسلح بالمعلومات والمعطيات الضرورية وندرك أننا أصحاب حق، وأصحاب الأرض، ودعاة سلم، ولكن دون التفريط في حقوقنا الثابتة. إن الأمر يتعلق برهانات ينبغي أن نتعبأ جميعا لربحها ولأن فيها ربحا للوطن ومستقبله.

وأود في الختام أن أتوجه بالشكر الجزيل إلى اللجان النيابية، رؤساءً ومكاتبَ وأعضاء، والتي اشتغلت على مشاريع النصوص التي صادقنا عليها وكذلك النصوص المعروضة علينا، وبذلت مجهودات استثنائية لتكون في الموعد والتوقيت المطلوب. كما أشكر  رؤساء الفرق وأعضاء مكتب المجلس وأعضاء الحكومة الذين تعبؤوا من أجل دراسة مشاريع النصوص.

والسلام عليكم