كريم العرجاوي/ طالب باحث

يستمد هذا المقال أهميته انطلاقا من تساؤلات أفرزتها شروط وواقع محلي معاش، وهي تساؤلات ترتكز على ما يلي: ما هو دور المثقف في معالجة التناقضات المحلية؟ وهل هناك فعلا دور للمثقف في الساحة السياسية والثقافية الراهنة؟ وما المقصود بالمثقف قبل كل شيء؟.
تساؤلات أملاها فقدان المصداقية الفكرية والفاعلية النضالية لدى المثقف المحلي، إذ أضحت النخب الثقافية عاجزة أو بالأحرى غائبة ومغيبة عن هموم ومشاكل الوسط الذي ترعرعت فيه، وهو مأزق راجع لنخبوية النخب الثقافية بالذات، إذ آلت هذه النخبة إلى العزلة والهامشية في تعاطيها مع الواقع وهمومه.
وليس المقصود بالمثقف هنا، من يملك حظا وافرا من المعارف، ولا أعني به، بالطبع، الاختصاصي في فرع من فروع المعرفة، أو المنتج في حقل من حقول الثقافة، قد يكون للمثقف علاقة بكل واحدة من هاته الأوجه، لكني أعني به في المقام الأول من تشغله قضية الحقوق والحريات، انطلاقا من وعي يتجاوز تصنيف من يجيد القراءة والكتابة، إلى وعي سياسي وطبقي ينسحب معه هذا التصنيف إلى الفلاح والحرفي…وغيرهم، انطلاقا من وعيهم بانتمائهم، وبضرورة نضالهم من أجل الحرية والعدالة، فالثقافة بمعناها الأشمل هي “صناعة الحياة”، لا إنسان بلا ثقافة، لأنه لا إنسان أصلا بلا فكر ووعي بالوجود. وبالتالي فإن استعمال مصطلح المثقف للدلالة عن المتعلم في هذا المقال، إجرائي لا غير.
من هذا المنطق، يمكن أن نشخص وضعة المثقف في الساحة المحلية، وهي وضعية غلبت عليها العزلة واللامبالاة بمشاكل “مسقط الرأس”، إذ نادرا ما نجد تلك الحركية والغيرة التي يجب أن يتمتع بها المثقف اتجاه واقعه المحلي، سواء في إطار العمل الجمعوي، أو النضال السياسي، أو خلق روح المبادرة وبعث الحركية من داخل الساحة الثقافية والسياسية.
المثقف أو بالأحرى الشبيه بالمثقف بعيدا كل البعد عن الدور المنوط به، لا أنشطة ثقافية، لا أعمال اجتماعية، لا حراك سياسي، فقد ارتكن إلى الزاوية وانشغل بالحديث في المقاهي عن قضايا بعيدة عن هموم الحاضر، وانشغالات العامة، ربما إيمانا منه بعدم جدوى شرف المحاولة، أو لكونه أخذ بمقولة “هادشي غير صداع الراس”، لم يقدم المثقفون، خاصة أولئك الذين تتوفر لهم القدرة على التغيير، شيئا للمنطقة، وغالبا ما ارتبطت نضالاتهم بشعارات فارغة من محتواها ولم نجد لها ترجمة على أرض الواقع.
في السنة الماضية وبعد انقطاع الكهرباء عن “دار الطالب”، وفي وقفة احتجاجية أمام الملحقة الإدارية للجماعة، لم يكن هناك مثقفون من أبناء بئركوات، من أساتذة وموظفين وطلبة، بل فقط بعض أصحاب المحلات الذين لا يتعدون عدد أصابع اليد، وفي نظري هم المثقفون الحقيقيون، صحيح كان هناك بعض المثقفين الذين أطروا هذه الخطوة النضالية رغم أنهم ليسوا من أبناء المنطقة، لكن أين هم مثقفو بئركوات مما كان يجري أنذاك؟؟؟ أين إسهاماتهم في الفكر والثقافة المحلية؟ أين هم…؟؟. إنه نموذج بسيط لعدد من المواقف التي خان فيها المثقف المنطقة، ولم يدافع عنها وعن مصالحها.
كما أن القيام بمقارنة بسيطة بين مثقفين من مناطق أخرى، خاصة أولئك الذين قدموا إلى المنطقة بحكم العمل، نجد أنفسنا بعيدين كل البعد عن الآفاق التي وصلوا إليها، لا أريد هنا ذكر الأسماء لكنني معجب ببعض الأساتذة خصوصا ممن لهم ثقافة فريدة في التعامل مع واقعهم المحلي وغير المحلي، أنشوا منابر إعلامية، جمعيات، أبدعوا في الفكر والآداب والثقافة بصفة عامة…. وغيرها، بل نجدهم يدافعون عن مصالح منطقتنا رغم عدم إلزاميتهم بذلك.
فعلا هناك أزمة وخيانة مزدوجة للمثقفين المحليين، فبعد أن حققوا ذواتهم، ولُّوا ظهورهم للأرض التي أعطتهم الشيء الكثير، فإلى متى سيستمر الوضع، وهل من سبيل للتغيير؟، تغيير نظرتنا إلى الواقع، والتغيير يبدأ من ذواتنا أولا، لينسحب على باقي الأفراد طبعا.