خلالَ الحملة الانتخابيّة لانتخابات 25 نونبر 2011، استطاعَ الأمينُ العامُّ لحزب العدالة والتنميّة عبد الإله بن كيران أنْ يشُدَّ أنظارَ الكثير من روادِ المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، وكانتْ مقاطعُ الفيديو التي يظهرُ فيها زعيم “المصباح” تحقّق عدد مشاهدات تصل إلى 50 ألف مشاهدة، وأحيانا تتجاوز ذلك وتبلغ 100 ألف مشاهدة.

كانَ ذلك قبْل أربع سنواتٍ؛ وما بيْن الحملة الانتخابية للانتخابات التشريعية التي أوصلت إخوان بن كيران إلى الحكومة لأوّل مرّة، والحملة الانتخابية للانتخابات الجماعية المرتقب إجراؤُها يوم الجمعة القادم، جرتْ مياهٌ كثيرة تحت جسْرِ بن كيران، وأصبحَ عددُ الذين يشاهدون مقاطعَ الفيديو المُصوّرة من المهرجانات الخطابيّة التي يخْطبُ فيها لا تتعدّى بضْعة آلاف.

ورغم دخول الحملة الانتخابيّة المنطلقة يوم 22 غشت الجاري مرحلةَ “السرعة النهائية”، إلَّا أنَّ مُؤشّرَ مشاهدة مقاطع الفيديو المتضمّنة لخُطب الأمين العامّ لحزب العدالة والتنميّة ما زالَ متوقّفا عند حُدود بضعة آلافٍ، في حينِ يُلاحَظُ أنَّ مقاطعَ فيديو أحزابٍ أخرى، استطاعتْ تحقيقَ نسبِ مشاهدةٍ مُهمّة، وصلَ بعْضها إلى أزيدَ من 75 ألفَ مشاهدة.

ابن كيران يتقهقر وخصومُه يتقدّمون

وبالعوْدة إلى مقاطعِ فيديو المهرجانات الخطابيّة التي ظهرَ فيها بن كيران خلال الحملة الانتخابيّة الحاليّة، لمْ يتجاوزْ عدد مشاهدات افتتاح الحملة الانتخابيّة لحزب العدالة والتنمية التي أعطى بن كيران انطلاقتها من مدينة سلا 14110 مشاهدة، في حينِ بلغ عدد مشاهدات المهرجان الخطابي الذي نظمه يوم الجمعة الماضي بالبيضاء 16169 مشاهدة، وأعْلى نسبة مشاهدةٍ سجّلها مقطع فيدو مهرجانه الخطابي بتازة، حيث بلغ 17733 مشاهدة، بينما تراوحت مشاهدات فيديوهات أخرى لبنكيران أثناء الحملة الانتخابية بين 90 إلى 7000 مشاهدة.

في المُقابل، استطاعتْ مقاطعُ فيديو المهرجانات الخطابيّة لأحزابٍ أخرى، من المعارضة ومن الأغلبيّة الحكومية، استقطابَ عددٍ أكبرَ بكثير من المشاهدين، يصلُ أحياناً إلى أكثرَ من أربعةِ أضعافِ عدد الذين شاهدوا مقاطع فيديو حزب العدالة والتنمية، إذْ وصلَ مجموع مشاهداتِ مقطع فيديو بثّه حزب الاستقلال على موقع “يوتيوب” إلى 68342 مشاهدة، وكذلك حزب الأصالة والمعاصرة الذي فاقت عدد مشاهدات مهرجانه الخطابي بالدار البيضاء على اليوتيوب 50 ألف مشاهدة.

من جهته استطاع مقطع فيديو لحزب الأصالة والمعاصرة عنْ أقوى لحظات حملته الانتخابية، استقطاب عددَ مشاهداتٍ بلغ 41000 مشاهدة، وبدورها سجّلتْ مقاطع فيديو لحزب التقدم والاشتراكية عدد مشاهداتٍ أكبر من عدد المشاهدات التي حققها حزب العدالة والتنمية. وبلغ عدد مشاهدات الكلمة التي ألقاها الأمين العامّ لحزب “الكتاب” نبيل بنعبد الله في مهرجان خطابي بمدينة وجدة 18898 مشاهدة، وحصدَ فيديو مهرجانه الخطابي بويسلان 16725 مشاهدة، ونالتِ الكلمة التي ألقاها الحسين الوردي في المهرجان نفسه 19575 مشاهدة، كما فاق فيديو وزير الصحة في وجدة أزيد من 20 ألف مشاهدة

غيْرَ أنّ اللافت للانتباه هُوَ أنّه في مقابل عدمِ إقبال زوار المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي على مشاهدة مقاطع فيديو المهرجانات الخطابيّة للأمين العامّ لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة عبد الإله بن كيران، حضي الفيديو الذي احتجَّ فيه أشخاص حضروا مهرجانه الخطابي بمدينة تازة، ورفعوا في وجهه شعاراتٍ قويّة تطالبُه بالرحيل، بنسبة مشاهدةٍ قياسيّة، إذْ بلغَ عدد المشاهدات التي سجّلتها مقاطع الفيديو الثلاثة لحدود كتابة هذه السطور في المجموع 522 ألف مشاهدة.

ابن كيران استُهْلك إعلاميّا

بيْن “الهبوط الحادّ” لنسَبِ مشاهدة خُطب الأمين العامّ لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بن كيران، خلال الحملة الانتخابيّة الحالية، مقارنة بالحملة الانتخابيّة لسنة 2011، ثمَّة مُعْطىً أساسيٌّ، يقول ميلود بلقاضي، وهوَ أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق أكدال بالرباط، ومتخصّص في التواصل السياسي، ينبغي أخذه بعيْن الاعتبار، وهُوَ عدمُ جواز المقارنة بيْن الانتخابات التشريعية والانتخابات الجماعيّة.

ويُوضّحُ بلقاضي أنَّ الانتخابات التشريعية تتميّزُ ببُعْدها الوطني، حيث يختارُ المواطنون ممثّلي الأمّة في البرلمان، بيْنما الانتخابات الجماعيّة تتميّز بطابعها المحلّي، إضافة إلى أنَّ الانتخابات التشريعيّة التي جرَتْ يوم 25 نونبر 2011 وأوْصلتْ حزب العدالة والتنمية إلى الحكومة، جاءَتْ في سياقٍ مختلفٍ عن السياق الذي ستُجرى فيه الانتخابات الجماعيّة والجهوية لسنة 2015، كما أنّ رئيسَ الحكومة ليْس مُرشّحا للانتخابات الجماعية، بل يقوم بحملة لوكلاء لوائح حزبه.

ويشرح بلقاضي أنَّ السياقَ الذي جرتْ فيه الحملة الانتخابيّة سنة 2011 تميّزَ بالحماسِ الذي أوْقدَ شعلته الحَراك الاجتماعي الذي شهده المغربُ يومئذ، إضافةً إلى اتّخاذ حزب العدالة والتنميّة لصراعهِ مع حزب الأصالة والمعاصرة مصدراً لقوّته، وعاملا لجذب تعاطُف الرأي العامّ معه، خصوصا وأنَّ بن كيران كانَ حينها في مواجهة مفتوحة، وجها لوجه، معَ أحد رجال الدولة الأقوياء، فؤاد عالي الهمّة، مؤسس “البام” وصديق الملك محمد السادس.

وعلى الرّغم من أنَّ المواجهة بيْن حزب العدالة والتنمية وغريمه الأشرس حزب الأصالة والمعاصرة لمْ تضعْ أوْزارَها بعدُ، إلّا أنَّ بلقاضي يرَى أنَّها لمْ تعُد بالحدّة نفسها التي كانتْ تتّسمُ بها إبّان الصراعِ بينهما سنة 2011، حيثُ كانَ حزب العدالة والتنمية يتّخذ من صراعه مع عالي الهمّة (قبل استقالته من الحزب وتعيينه مستشارا للملك)، وكذا الرجل القويّ الثاني في حزب الأصالة والمعاصرة إلياس العماري، صراعا ضدّ “رموز الفساد السياسي”.

خطابٌ مُكرّر

وَلَئنْ كانت المقارنة بيْن الانتخابات التشريعية والجماعية غيرُ جائزة، كمال قال بلقاضي، للأسباب التي ذكَرها، إلّا أنَّ المُقارنة بيْنَ نسبِ متابعَة مقاطع فيديو خُطب الأمين العامّ لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بن كيران، مع مقاطع فيديوهات عدد من الأمناء العامّين للأحزاب السياسية، يُظهرُ وُجودَ تقهقُرٍ في نسبة متابعة بن كيران، فيما ارتفعتْ أسهُم أمناء عامّين آخرين في سوق نسب المشاهدة، خاصّة زعيما غريميْه الرئيسيّين “الاستقلال” و”الأصالة والمعاصرة”.

فإذا كانَ عدد مشاهداتِ مقاطع الفيديو التي يظهر فيها بن كيران خلال الحملة الانتخابية الحاليّة لمْ يتعدَّ 16 ألف مشاهدةٍ، رغم محاولته استعمال بعض العبارات القويّة، مثل قَسَمه بشعوره أنّ خطرا يتهدّد حياته، كما قال في تازة، فإنَّ مقطعَ فيديو بثّه حزب الاستقلال وظهرَ فيه أمينه العامّ حميد شباط، استقطب أكثر من 68 ألف مشاهدة، في حينِ وصلَ عدد مشاهدات مقطع فيديو لحزب الأصالة والمعاصرة 41 ألف مشاهدة، وحازَ مقطع فيديو للأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية نبيل بنعبد الله، عددَ مشاهداتٍ قاربتْ 19 ألفاً.

ويُفسّر ميلود بلقاضي التقدّمَ البيّنَ الذي حقّقه أكبرُ حزبيْن في المعارضة، وهما الأصالة والمعاصرة والاستقلال، فضلا عن حزب التقدم والاشتراكية، مقابل تراجعِ حزب العدالة والتنمية، بكوْن الأحزاب المنافسة للحزب القائد للائتلاف الحكوميّ أصبَحتْ أكثر إتقانا للتواصل مع الناخبين، كمَا أنَّ زُعماءها استطاعوا تطويرَ خطابهم السياسي المُوجّه إلى الرأي العامّ، في حين أنَّ عبْد الإله بن كيران لمْ يُطوّرْ خطابه، فضلا عنْ عجزه على تفعيل الوعود التي سبَقَ أن التزم بها.

“الحضور القوي للأصالة والمعاصرة على مستوى التواصل مع الناخبين نابع من كوْنه يُعَدُّ من الأحزاب الأكثر استعمالا للتواصل الالكتروني والتقني الحديث، كما أنّه استفاد من تجربة حزب العدالة والتنمية، وأصبح بدوْره يتواصلُ مع الرأي العامّ بمختلف الوسائل، أمّا حزب الاستقلال فمردُّ المتابعة التي يحظى بها، هو أنَّ أمينه العامَّ يخلُق في كلّ خطابٍ مفاجأة، أوْ يُطلق مصطلحا أو مفهوما يتْرُك ردودَ فعْلٍ متعدّدة وسَط الرأي العامّ”، يقول ميلود بلقاضي.

ويظهرُ أنَّ حزب التقدم والاشتراكية كانَ “مفاجأة” الحملة الانتخابيّة الحالية، على مستوى عدد المشاهدات التي تحصدها مقاطع الفيديو التي يبثّها الحزب، فعلى الرغم من أنَّ الحزب يحتلُّ مرتبة “عادية” بيْن الأحزاب السياسية الكبيرة الموجودة على الساحة، إلّا أنّه حاضر بقُوّة على مستوى التواصل، ويُرجعُ بلقاضي سبب ذلك إلى كوْن الأمين العامّ لحزب “الكتاب” نبيل بنعبد الله، الذي سبقَ له أن شغَل منصب وزير الاتصال في حكومة إدريس جطّو “رَجُلَ تواصلٍ بامتياز”.

وفي مقابلِ التطوّر الحاصل على مستوى تواصل البكوري وشباط وبنعبد الله مع الرأي العامّ، فإنَّ الأمين العامّ لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بن كيران ما زال متمترسا بالخطاب نفسه الذي تبنّاه منذُ سنوات، غيْرَ أنّ ذلك ليسَ السبب الوحيدَ لتراجُع الإقبال على مشاهدة خُطبه، فهُناك أسباب أخرى، منها- يقول بلقاضي- عدم قدرته على تحويل شعارات خطاباته التواصليّة إلى ممارسة، مثل محاربة الفساد وتخليق الحياة العامّة، وهي شعاراتٌ دأبَ على رفْعها خلال الحملة الانتخابيّة التي أوصلتْ حزبه إلى الحكومة سنة 2011.

وفي مقابل عجْز رئيس الحكومة عنْ تحويل الشعارات التي كان يرفعها في خطاباته التواصلية إلى ممارسة، فإنّه ظلّ متمسّكا بشعاراتٍ باتتْ “مُملّة”، من قبيل أنّه خادم للملك، ومُستهدف، وله الفضل الكبير في استقرار البلاد… “بن كيران لم يُغيّر خطابه ليتأقلم مع السياقات التواصليّة المختلفة التي يُمليها التطوّر على هذا المستوى”، يقول بلقاضي، مضيفا: “أصبحَ خطابُه مُستهْلكاً”.

عن موقع هسبريس