عادت كل من جبهة البوليساريو والجزائر لتوظيف ملف حقوق الإنسان في تعاطيهما مع قضية الصحراء؛ بعد عقود على ترديد نفس الخطاب الذي لم يتبدّل رغم المتغيرات الدولية والميدانية الكبرى، في مقابل المبادرة المغربية الواقعية التي تقضي بتمتيع الساكنة بحكم ذاتي بصلاحيات وإمكانات وازنتين؛ حيث نالت ترحيب القوى الدولية الكبرى؛ وحظيت باستحسان هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن على وجه الخصوص.

يرتبط التدخل الإنساني بتقديم المساعدات الإنسانية وكذا التدخل العسكري لأغراض إنسانية في جانبه الردعي أو الزجري؛ وغالبا ما يتم بقرار من الأمم المتحدة، وهو ينقسم عادة إلى تدخل “إنساني” انفرادي تقوم به دولة معينة في دولة ثانية لحماية رعاياها، أو تدخل “إنساني” جماعي؛ في إطار قرار من مجلس الأمن مع تنامي الصراعات الإثنية والعرقية والسياسية الخطيرة داخل الدولة الواحدة ومما تخلفه من مآس إنسانية كبرى.

ورغم أن ميثاق الأمم المتحدة في الفقرة السابعة من المادة الثانية نص صراحة على عدم جواز التدخل في الشؤون التي تعد من صميم السلطان الداخلي للدول، فقد أقر الفقه الدولي بشرعية التدخلات التي تتم بشكل اضطراري؛ إذا اتضح أن الدولة المعنية غير قادرة أو غير راغبة في حماية مواطنيها؛ أو أنها هي نفسها الجاني والمتسبب فيما يتعرض له المواطنون من عنف وأضرار.. أو تلك التي تتم بناء على اتفاقات مسبقة بين الدولة أو الدول أو المنظمات الدولية المتدخلة والدولة التي سيتم التدخل فوق ترابها.

بعدما حاولت البوليساريو؛ استثمار أجواء “الحراك العربي” وبعض الاحتجاجات الاجتماعية بالأقاليم الجنوبية وتسييسها وحشد الرأي العام الدولي حولها، وما تلا ذلك من صدور تقارير عن مؤسسة كيندي ووزارة الخارجية الأمريكيتين بشأن وضعية حقوق الإنسان بالصحراء.. وبدا واضحا أن هناك تباينا في الرؤى بين الموقف المغربي الذي يعتبر أن عمل اﻟﻤﺠلس الوطني المغربي لحقوق الإنسان والمكاتب الجهوية التابعة له، وكذا الدعوات التي يوجهها إلى المقررين الخاصين للأمم المتحدة، تشكّل الصيغة الملائمة للتعاطي مع قضايا حقوق الإنسان؛ وجبهة بوليساريو التي تعتبر أن رصد حقوق الإنسان بالمنطقة يتطلب وجود آلية مستقلة من خلال توسيع صلاحيات المينورسو في هذا الشأن.

كان موقف المغرب صارما في هذا الصدد؛ حيث رفض أي تجاوز لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة؛ وهو رفض يعكس الوعي بأن تدويل المجال الحقوقي طالما شكّل مدخلا لتجاوز سيادة الدول، عبر التدخل بذريعة حماية حقوق الإنسان، وهو ما زخرت به الممارسات الدولية خلال العقدين الأخيرين (قرار مجلس الأمن رقم 688 لسنة 1991 والقاضي بالتدخل في شمال العراق لحماية الأكراد، والقرار رقم 841 لسنة 1993 والمرتبط بتطور الوضع الإنساني في هايتي..)، كما أن الأمر يمكن أن يدعم توجه البوليساريو إلى توظيف هذا الملف بشكل منحرف واستثمار بعض المشاكل الاجتماعية المرتبطة بالبطالة والفقر.. لأغراض سياسية.

وقد استطاعت الدبلوماسية المغربية أن توازن بين متطلّبات الدفاع عن الوحدة الترابية عبر رفض ومنع الانحراف بتوظيف ملف حقوق الإنسان من جهة، والمحافظة على العلاقات الإستراتيجية للمغرب مع القوى الدولية الدائمة العضوية في مجلس الأمن من جهة ثانية، خصوصا أن المراهنة على دورها في دعم الموقف المغربي تظل قائمة مع تطورات الملف.

ويعكس رفض المجتمع الدولي للتجاوب مع مطالب البوليساريو وداعميها في هذا الصدد؛ استيعاب التطورات التي شهدتها منظومة حقوق الإنسان بالمغرب، والتي همت سكان الأقاليم الصحراوية؛ كما هو الشأن بالنسبة إلى لأقاليم المغربية الأخرى، من حيث تطور التشريعات والمصادقة على عدد من الاتفاقيات الدولية واتخاذ عدة تدابير في هذا الشأن، وتزايد نشاط الجمعيات الحقوقية المحلية والوطنية والسماح لجمعيات انفصالية بالتأسيس؛ وإحداث المجلس الوطني لحقوق الإنسان والذي واكب بصورة كبيرة مجموعة من الأحداث التي شهدتها المنطقة وأصدر تقارير ومواقف لا تخلو من جرأة بصددها؛ من بينها رفض المجلس لمحاكمة مدنيين أمام محكمة عسكرية..

ولعل المفارقة الكبرى في هذا الشأن؛ هي أن جبهة البوليساريو الساعية لهذا التدخل؛ تمارس الصمت والتعتيم في مقابل الانتقادات الدولية المتزايدة؛ إزاء المآسي الإنسانية والاجتماعية الحقيقية التي يتعرض لها الساكنة في مخيمات تندوف؛ ولم توافق على إحصاء سكانها رغم المطالب المتتالية للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين في هذا الخصوص؛ وهو رفض يعكس الرغبة في تلقي المساعدات الإنسانية؛ التي أكدت العديد من التقارير الدولية على الاختلالات التي تشوب تدبيرها.

إن ربح رهان قضية الصحراء المغربية، لا يمكن أن يتأتّى إلا من خلال اعتماد مدخلين، الأول داخلي؛ يروم إلى ترسيخ الممارسة الديمقراطية وما تقتضيه من دعم للمشاركة السياسية للسكان والمضي قدما نحو تعزيز حقوق الإنسان بالمنطقة وتحصين المكتسبات الحاصلة في هذا الشأن، وبلورة تنمية منفتحة كفيلة بتجاوز مظاهر الريع الاقتصادي وتجاوز منطق الامتيازات الذي ساد لسنوات، بما يسهم في تجاوز الإكراهات الاجتماعية المطروحة ويقطع الطريق على أي محاولات – مهما كان مصدرها- لتسييس ملف حقوق الإنسان. وآخر خارجي من خلال اعتماد دبلوماسية مبادرة وشفّافة ومنفتحة على مختلف الفعاليات الرسمية وغير الرسمية؛ وقادرة على مخاطبة مختلف القوى والمؤسسات الدولية بلغة المصالح والواقعية، في زمن متشابك لم يعد فيه مجال للمواقف والسلوكات المجانية.

*أستاذ باحث