ذ. زايد بن يدير
سيجزم المتتبع للشأن البيئي بالجماعة الترابية لتنغير أن المدينة التي عرفت تاريخيا بالاختلاف والتعايش والسلم، وبمضايق تودغى وبأسماكها المقدسة (Poissons sacrés) التي لا تعيش إلا في مياه عذبة وتجلب السياح من كل صوب وحدب ومن كل بقع دول العالم، للاستمتاع بجمال طبيعتها وتسلق جبالها والتجول في حقولها وتزكية أنوفهم برائحة ونسيم ورودها.
لكن هذه الأيام تعرف إقليم تنغير بمدينة الجرائم والمجازر البيئية وهدم للحميلات البيئية، نفوق جماعي للأسماك بالجزء السفلي لوادي تودغى (حقول حي تكماصت) بسبب المياه العادمة، وحرائق بيئية بحارة المرابطين…الخ، وأنت تقترب من مدخل المدينة بجوار تماسينت حيث يتوجد المطرح البلدي للنفايات التابع للمجلس البلدي لتنغير، ستبدو لك الصورة كأن أسراب من طيور النورس والغربان تأخذ قسطا من الراحة بالمجاري المائية وبجنبات الطريق الرئيسية لمدخل المدينة من جهة الرشيدية، لكن بعد التمعن والاقتراب منها تظهر الفاجعة المرة وهي للأسف وديان من الأكياس البلاستيكية المختلفة الألوان وهي تزحف على الطبيعة وتعدنا بتدمير للحميلات البيئية والتنوع البيولوجي بالمنطقة. وحل فصل الربيع بتنغير بطعم آخر وألوان الأكياس البلاستيكية تزين الطبيعة وتنبت كالفطريات في كل مكان.
ألا يعلم مسيري الشأن المحلي أنه تمت المصادقة على قوانين تمنع تسويق واستعمال الأكياس البلاستيكية السوداء، وأنه تبث علميا أن المواد البلاستيكية لها سلبيات عديدة لأنها مصنوعة من مركبات غير قابلة للتحلل في الأوساط البيئية المختلفة، أي أن لها القدرة على التراكم مع الزمن والبقاء في البيئة لسنواتٍ طويلةٍ، لأنها بطيئة التحلل وتحتاج ما بين 400 – 1000 سنة كي تتحلل تماماً وتختفي وتمتصها التربة، مما يجعل انعكاساتها السلبية طويلة المدى وتتمثل في عدة أمور من بينها المخاطر الصحية التي تسببها موادها الهيدروكربونية، وهي أحد منتجات البترول، وتحمل في طياتها بعض العناصر الثقيلة والخطرة التي تسبب أمراضاً كبعض أنواع السرطانات، خصوصا أنها تتعرض في فصل الصيف لحرارة مرتفعة بتنغير، فضلا عن أنها تشكل خطرا على الحيوانات والنباتات، كانسداد الجهاز الهضمي بعد أكل هذه الأكياس بشكل مباشر أو خنق وقتل الكائنات الحية في البر والمجاري المائية بعد التفافها حول هذه الحيوانات المائية والانحباس فيها وشل حركتها، وبالتالي عدم القدرة على الخروج منها ومن تمت موتها. وما سيساهم في انتشار هذه الأكياس هو خفة وزنها وسهولة نقالها بفعل الرياح إلى مناطق بعيدة لواحة تودغى لذلك فأضرارها ستصل لا محالة إلى جماعات ترابية مجاورة وأقاليم أخرى. 20160416_072719
بالرجوع إلى مقتضيات قانون الجماعات الترابية، يتضح جليا أن من بين الاختصاصات الذاتية المنوطة بها هي وضع برنامج عمل يتضمن عدة إجراءات لتدبير المرافق والتجهيزات العمومية اللازمة لتقديم خدمات القرب للمواطنين في عدة ميادين من بينها كما تنص عليه المادة 83 من الباب 2 الفصل 2: تنظيف الطرقات والساحات العمومية وجمع النفايات المنزلية والمشابهة لها ونقلها إلى المطارح ومعالجتها وتثمينها وحفظ الصحة وتطهير السائل والصلب ومحطات معالجة المياه العادمة، فيمكن تلخيص المهام المنوطة بالجماعة الترابية لتنغير طبقا لمقتضيات القانون رقم 28.00 الذي يتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها كالاتي:
بعد الجمع الأولي للنفايات تودع في مطرح مراقب يستجيب للخصائص والمواصفات التقنية الواردة في النصوص التنظيمية والذي تودع فيه النفايات بصفة دائمة، وبعد ذلك يتم معالجة النفايات بفضل عمليات فيزيائية أو حرارية أو كيميائية أو بيولوجية تؤدي إلى تغيير في طبيعة أو مكونات النفايات وذلك بغاية التقليص من طاقتها الملوثة أو من حجمها ومن كميتها أو بهدف استخلاص الجزء القابل منها للتدوير وذلك في ظروف مراقبة؛ طبقا للشروط التي تؤمن الوقاية من المخاطر التي تلحق ضررا بصحة الإنسان والبيئة؛ وفي الأخير تثمينها عبر تدويرها أو إعادة استعمالها أو استردادها أو استخدامها كمصدر للطاقة والحصول على مواد أولية أو مواد قابلة لإعادة الاستعمال أو لبيعها، لكن كل هذه العمليات تلخصها الجماعة الترابية بتنغير في عملية بسيطة لا يكلفها الأمر إلا ثمن عود ثقاب لحرق النفايات مما يسبب نوعا آخر من التلوث الهوائي إلى جانب تلوث التربة والمياه، وبين فينة وأخرى تسخر عمال الإنعاش الوطني لجمع هذه الأكياس البلاستيكية وإرجاعها إلى مسكنها الطبيعي (المطرح البلدي)، وبعد هبة ريح تتناثر وتطير من جديد في رحلة العودة كسرب من الطيور المهاجرة وترجعها الرياح إلى المستهلكين قصد استعمالها من جديد وهكذا دوالي، ذلك هو المعنى الحقيقي لتدوير النفايات بتنغير.
جهة درعة تافيلالت جهة التناقضات، تم مؤخرا تأسيس مؤسسة الخبراء والباحثين، وخصصت لها مليار سنتيم من المال العام، والأزبال تتناثر في إقليم رئيسها الطيب صديقي، والمياه العادمة أطلق لها العنان بالوديان وتلوث المياه الجارية بوادي تودغى والفرشة المائية ولم يبقى لنا إلا شربها بدل الماء الصالح للشرب. فمسؤولية من؟ المواطن الذي صوت ولم يحسن اختياره فيمن يدبر ويسير شأنه المحلي؟ أم ذلك ناتج عن تهاون من فاز بثقة المواطنين بالقيام بالمهام المنوطة به طبقا للمقتضيات القانونية؟