في لقاء نظمته كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة ابن زهر  بأكادير  ومركز الجنوب للدراسات و الأبحاث و تنسيقية الباحثين الشباب خريجي كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأكادير  تمحور حول “الجامعة و المجتمــــــــع المدني: أي أفق للتعاون والتشارك؟”؛ وذلك يوم الجمعة 22 أبريل 2016 ، خلص المشاركون إلى ضرورة هدم أسوار الجامعة أمام دينامية المجتمع المدني.

        اليوم الدراسي الذي حضرته وجوه من عالم الثقافة والسياسة والفن، علاوة على   فعاليات أكاديمية ضمت أساتذة جامعيين يمثلون مختلف الحساسيات المعرفية المنتمية للجامعة بكليتيها، كلية العلوم القانوية والاقتصادية والاجتماعية وكلية الآداب والعلوم الإنسانية.

      جذب اليوم الدراسي أيضا نخبة من الطلبة الباحثين في الميدان القانوني بكل من  كليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأكادير ومراكش وسلا وطنجة ومكناس والرباط، ومجموعة من الإعلاميين والمهتمين بالقضايا ذات الصلة بالجامعة والمجتمع المدني.

ويأتي تنظيم هذا البوم الدراسي، حسب المنظمين، “اعتبارا للدور الذي تلعبه الجامعة كفضاء للنقاش الأكاديمي  العلمي التنويري، الذي يروم نقل الأفكار العلمية من التنظير إلى الممارسة، وتعضيد انفتاح الجامعة على الأقطاب المتبنية للبحث العلمي الهادف وعملا على تجسير أواصر الانفتاح الجامعي على مختلف المؤسسات والهيئات المنشغلة بالبحث العلمي تنظيرا وممارسة”.

وحسب البرنامج المسطر للتظاهرة، فقد تم تقسيم فعاليات اليوم إلى شقين، فترة صباحية همت جلسة افتتاحية وجلسة علمية، وفترة مسائية خصصت للورشات.

تناولت مداخلات الأساتذة بالدرس والتحليل علاقة الجامعة بالمجتمع المدني، وأهميتها بالنسبة لهذا الأخير، ودور الجمعيات في تشكيل ثقافة المرفق، وأسس ومنطلقات الحكامة المرفقية.

هكذا، استهلت الجلسة العلمية بمداخلة ذ. خالد بهالي، أستاذ القانون العام بكلية العلوم القانوية والاقتصادية والاجتماعية أكادير حملت عنوانالحكامة المرفقية، الأسس و المنطلقات أي دور للمجتمع المدني ؟، والتي أكد من خلالها على دور المجتمع المدني اليوم كرافعة أساسية لخيارات الإنماء، كما انه مقوم من مقومات الدولة الحديثة التي تريد أن تأسس للفضاء العام من خلال تبني الخيارات العمومية المبنية على مقاييس الديمقراطية والتشاور وقيم الحرية وتقاسم المسؤوليات، كما أن المجتمع المدني يعد قوى مدنية منفصلة عن أجهزة الدولة يجعلها منها عين على الدولة وعلى ممارسة الدولة فتقترح وتواكب وتقيم الخيارات العمومية لتجسد بذلك مبدأ السلطة والسلطة المضادة الذي جاء به طرح الفقيه مونتيسكيو، من تم فالمجتمع المدني أصبحت تتنازعه هيمنتين، هيمنة الطبقة الحاكمة التي تهدف إلى احتواءه أو تدجين أو تطويعه، وهيمنة طبقات سياسية واجتماعية التي تسعى إلى مزيد من التغيير. وفي المغرب عرف تطور المجتمع وعلاقته بالسلطة عدة محطات هي المواجهة، ثم المنافسة، ثم الاحتواء، لتصل اليوم إلى مرحلة المشاركة وتحديدا مع دستور 2011 وذلك في سبيل تعزيز الفعالية والنجاعة في تدبير الشأن العام من خلال ميكانيزم الحكامة الرشيدة والإسهام الجمعي في التدبير عبر التدخل الفاعل والمؤثر لجمعيات المجتمع المدني في صياغة القرار العمومي. ومن هذا المنطلق يأتي دور الجامعة كفضاء للتطوير البداغوجي وإنتاج الكفاءات العلمية والقدرات المعرفية في مسعى حثيث لتقريب الهوة بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي.

بعد ذلك تناول الكلمة ذ. محمد كلفرني أستاذ العلوم السياسية بكلية الشريعة بأكادير من خلال مداخلة مستفيضة بعنوان ” الجامعة، المجتمع المدني ودراسة الأحزاب السياسية”، أكد من خلالها أن نقاش الموضوع لا يجب أن يكون نقاشا إيبيستمولوجيا علميا محضا بل يحب أن يكون نقاشا سوسيولجيا كذلك، حيث تطرق إلى الموضوع من خلال نقطتين همتا دراسة الأحزاب السياسية بين علم السياسة المؤسساتي والشبكات المهيمنة ثم حدود وأفاق دراسة الأحزاب السياسية أي دور للمجتمع المدني، مؤكدا أن علم السياسة وتأثرا بالبنية العلمية التي يدرس فيها بكليات الحقوق أصبح تقريريا حاسما كالقانون، في حين السياسة هي ظاهرة مركبة ومعقدة يستعصى دراستها بالمنطق والذهنية القانونية التي عادة ما نسقطها على الظواهر السياسية، فعلم السياسة في المغرب يصم اتجاهان علم سياسة مشرعن وعلم سياسة نضالي، مع الإشارة إلى غياب اتجاه ثالث هو علم السياسة المهني، وذلك مرده إلى طريقة تدريس علم السياسة داخل كليات الحقوق، لينطبع بذلك هذا العلم بالبيئة التي يدرس بها، ليتحول بهذا علم السياسة إلى جزء من القانون العام، مما يفقد علم السياسة استقلاليته وأهميته ويؤثر على آليات وطرق البحث فيه بالاقتصار على المنهجية النظرية الوصفية دون اعتماد سبل البحث الميداني الواقعي، مما خلق هوة كبيرة بين التناول الأكاديمية لعلم السياسة داخل الجامعة والمعتمد على مقاربات و مفاهيم متجاوزة لم تعد تواكب المتغيرات والتحولات التي عرفتها السياسة على ارض الواقع. ليخلص إلى القول بان الظاهرة السياسية بالمغرب متحركة نسبيا من خلال مجموعة من التحولات التي عرفتها الأحزاب السياسية في المقابل جمود وثبات على مستوى الطرح العلمي الأكاديمي بالجامعات، ليتم تعويضه بفعاليات المجتمع المدني المتميز بنوع من الاستقلالية والميدانية والواقعية كفضاء انسب للسياسة.

بعد ذلك تناول الكلمة ذ. محمد الأشهب أستاذ الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير، ليقدم بدوره مداخلة في موضوع قيم التعاون بين الجامعة و المجتمع المدني، والتي ركزت على إعطاء مقاربة فلسفية لمفاهيم الجامعة والمجتمع العمومي والفضاء العمومي، والأدوار التكاملية والتشاركية والتفاعلية التي تجمع بينها، وذلك باعتماد المتن الفلسفي للفيلسوف الألماني يورغن هابرماس وامتداداته في النظرية النقدية عموما، خاصة من خلال كتابه المترجم إلى الفرنسية بعنوان (l’espace public)، والذي عرف الفضاء العمومي بكونه الشبكة التي نتبادل فيها الأفكار والمعلومات والقضايا ونتداول فيها من اجل أن نعمل على ترشيحها للوصول إلى الإرادة العامة لخلق سلطة تواصلية تقف عند حد المطالبة بالقوانين أو بتنقيحها ولا تصل حد تشريعها أو سنها الذي يعد من اختصاص السلطة الإدارية. ومن هذا المنطلق يبرز دور الجامعة في إذكاء الدور النقدي للمجتمع المدني عن طريق مده بالأطر والنخب الواعية والكفؤة وباليات التفكير النقدي والتحليل والفهم المنطقي الواقعي، لتتحول الجامعة بذلك من فضاء للتدريس إلى فضاء أرحب هو فضاء للتنوير والتأثير في محيطها المجتمعي.

بعدها تناول الكلمة ذ. رشيد كديرة أستاذ القانون العام بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأكادير، ليقدم مداخلته بعنوان الحكامة الأمنية في تدبير الثقة بين مرفق الأمن والمجتمع المدني: تجارب مقارنة”، تطرق من خلالها إلى مدى صمود مفهوم المجتمع المدني باعتباره مفهوما يتسع لجميع المشاعل التي حملت لواء التغيير منذ بداية المشروع الليبرالي الذي حمل فكر التعاقد السياسي في القرن 16، لنجده بعد ذلك في دراسة “ألكسيس دي توكفيل” في الديمقراطية في أمريكا، ثم لنجدها كذلك لدى فلاسفة التيار الاشتراكي من خلال كتابات أنطونيو كرامشي وماركس وهيكل، هذا الأخير الذي أرجأ قوة مفهوم المجتمع المدني إلى أنها يمكن أن تصالح بين التناقضات، التناقضات مابين الكوني والخصوصي، مابين الفرد والدولة، لتشكل بذلك القدرة التي يمكن أن يتصف بها الفرد كحامل لمشروع مجتمعي مما يقدم فائدة إجرائية للأفراد مستقلين عن الدولة، هذا الاستقلال النسبي ضروري لحفظ الرؤيا النقدية للدولة والمجتمع. وبخصوص المقاربة الأمنية في العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني اليوم، والتي كانت تثير ظاهرة العنف بينهما، لكون السلطة الإدارية تختزن قدرات عنفية مادية ورمزية وتحتاج إلى الضبط والتقنين في حين أن المجتمعات المدنية التي تحوي الفضاء العمومي تحتاج إلى كثير من الحرية والتحرر، والتي أضحت تحتاج إلى منهجية عصرية تعتمد مفهوم الحكامة الأمنية، والتي تظهر من بعض النقط المرجعية لدراسات مقارنة همت دول غربية كفرنسا وبلجيكا وانجلترا التي طورت شراكات بين المجتمع المدني وأجهزة الدولة المكلفة بالجانب الأمني لتفادي القمع والنتائج الكارثية الناجمة عن التدخلات العنيفة للسلطات الأمنية، في سبيل نبذ العنف وإنتاج ثقافة الحوار والنقاش السلمي البناء، وهو المنهج الذي تسوق له اليوم الدولة المغربية في معالجتها لمجموعة من الملفات الأمنية كمشكل الأساتذة المتدربين مؤخرا، والذي يتوجب سلكه أيضا داخل الجامعات المغربية من خلال خلق شراكات مع جمعيات الطلبة في أفق تحويل الفضاء الجامعي إلى فضاء أكثر انفتاحا وتحررا.

مداخلة ذ.خطري الشرقي، باحث في العلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأكدال كانت مسك ختام الجلسة العلمية ، ليقدم مداخلة بعنوان “مقاربات المجتمع المدني في تدعيم الحكامة المرفقية العمومية بين النص والواقع”، استعرض من خلالها صيرورة منظور المجتمع المدني من خلال تجاذبات الأفكار السياسية منذ قرون خلت داخل منظومة رباعيات (الدولة – المجتمع – السلطة والحرية) مشيرا إلى التطرقات المتباينة لكل من هوبز وهيكل والفيزيوقراطيين وكارل ماركس و ألكسيس دو توكفيل، حيث يتبين الدور الرائد الذي يمكن أن يلعبه المجتمع المدني على مستوى انفتاحه وانخراطه مع الجامعة بوجود مجموعة من الثوابت تتمثل في وجود إرادة حرة طوعية لدى الأفراد ووجود سلوك أخلاقي قائم على الاعتراف بالتنوع والاختلاف إضافة إلى أمور مرتبطة بطبيعة القواعد سواء التكييف الوظيفي أو ألجيلي آو الزمني. على مستوى جامعة ابن زهر، يشير الشرقي إلى تأسيس العديد من النوادي والجمعيات الجامعية وقامت بادوار طلائعية من خلال انفتاحها على المحيط عبر القيام بمجموعة من المبادرات الإنسانية وتنظيم تظاهرات فكرية وثقافية تطرقها إلى مواضيع مختلفة ومتنوعة كمقاربة النوع والجنس والبيئة… مما يجعل من المجتمع المدني احد الأضلع الرئيسية لبلورة السياسات الهادفة نحو النموذج الديمقراطي الذي نتوخاه.

  بعد هذه الجلسة العلمية المشبعة، والتي أعقبها نقاش من لدن الباحثين والطلبة والمهتمين بالتيمة موضوع اليوم الدراسي، تم مباشرة العمل الورشي سعيا إلى مزيد من النقاش والمداولة العلمية في موضوعة اللقاء؛ وذلك من خلال 3 ورشات:

  • الورشة الأولى: الدراسات الدستورية و السياسية؛
  • الورشة الثانية: الدراسات الدولية؛
  • الورشة الثالثة: الدراسات الإدارية.

 محمد ضباش