متابعة.

اذا كانت العديد من الثدييات تغير سلوكياتها حسب تقلبات الفصول والكثير منها تدخل في سبات خاصة في فصلي الخريف والشتاء فإن هذا التغيير السلوكي يطال أيضا الانسان وإن لم يعرف إلا حديثا أي سنة 1980، حيث ورد ذلك في دراسة للدكتور”نورمان روزنتال”، أخصائي الأمراض النفسية والعصبية بالمعهد الدولي للصحة العقلية بولاية ميريلاند بالولايات المتحدة الأمريكية، فالعديد من الناس بل جلهم يشعر بتغير مزاجي وتتغير بالتالي سلوكياته اليومية مع بداية فصل الخريف والشتاء حيث تتقلص ساعات النهار وتزداد ساعات العتمة وتقل الاضاءة بسبب الضباب والأمطار وأحيانا الثلوج حسب المناطق، فيشعر الشخص بالإعياء والوهن وبرغبة اكبر في النوم ويصعب الاستيقاظ صباحا وتنقص الرغبة في الحركة وهذه الأعراض تطرأ نتيجة ما يسمى بالاضطراب الموسمي أو الاكتئاب الموسمي .
فهذا التغيير المناخي يكون له تأثير مباشر على مزاج معظم الناس فيصبح الشخص مزاجيا ويتعكر صفوه بسرعة اكبر وأسهل كذلك ويشعر المرء بالحاجة إلى تناول السكريات والمأكولات النشوية مثل الكاكاو والحلويات والخبز والأرز إلى غير ذلك. هذه الاعراض غالبا ما ترافق دخول فصل الخريف اكثر من الشتاء وهناك من يعاني منها ايضا عند بدء فصل الربيع إلا انه يكون إحساسا أسرع مرورا وتجاوزا من فصلي الخريف والشتاء، حينما اكتشفت علاقة هذه التغيرات التي تطرأ على الانسان في بداية الثمانينات أحيلت إلى نوع جديد من الاكتئاب يسبب نفس أعراض الاكتئاب المعروفة مثل قلة الحركة وانخفاض مستوى الطاقة الايجابية والشعور بالإعياء وعدم الرغبة في مغادرة السرير وأحيانا تقترب من أعراض الاكتئاب الحاد خاصة مع تذكر أمور محزنة أو حينما يكون الشخص حساسا ولديه قابلية للاكتئاب فيتغلب عليه الحزن ويبكي لأبسط الأشياء.

تقلص ساعات النهار

وتنجم هذه الأعراض عن نقص هرمون “السيروتونين أو ما يصطلح عليه البعض هرمون السعادة وهو ناقل عصبي أحادي الأمين – تفرزه الغدة الصنوبرية المتواجدة في الدماغ في الجهاز العصبي المركزي وهو الهرمون المسؤول عن تنظيم النوم والمزاج ويرتفع إفرازه عند الصباح مع بداية ضوء النهار فيحصل الإنسان على الطاقة التي يحتاجها لبداية يوم جديد وذات الهرمون حينما تقل نسبة الضوء يتراكم ويتحول إلى هرمون “ميلاتونين” والذي هو عكس الهرمون الأول يساعد على الاسترخاء والاستعداد لنوم عميق وهو عملية طبيعية تتكرر مع كل غروب شمس، وحينما تتقلص ساعات النهار وتقل أيضا الإضاءة اليومية فلا يكون هناك ضوء كافي لإفراز ما يكفي من هرمون “السيروتونين” حتى في النهار يحدث هناك خلل في إنتاج الهرمونين، حينها نشعر بالتعب والنعاس حتى أثناء النهار ولذلك تجد بعض الأشخاص يكتئبون مع بداية تساقط الأمطار وتلبد السماء بالغيوم.

الاكتئاب الموسمي

أعراض الاكتئاب الموسمي هي كما أسلفنا شبيهة بأعراض الاكتئاب المعروفة مع تفاوت بين الأشخاص، بحيث يشعر الانسان بالإرهاق والشعور بالرغبة في النوم والإحساس بالنعاس وصعوبة التركيز ويميل الشخص للانزواء والانطوائية وتزيد رغبته في الاكل وتناول السكريات كما سبق وذكرنا ولعل العديد يلاحظ زيادة وزنه مع بداية الخريف وأيضا في فصل الشتاء وهذا أمر طبيعي، فقلة الحركة والنوم لمدة اطول وتناول الأطعمة بقدر اكبر وخاصة النشويات والسكريات هي كلها عوامل سوف تؤثر على البنية الجسمانية للإنسان والشعور بهذا النوع من الاكتئاب عادة ما تخف أعراضه ويتحسن مزاج الشخص مع تحسن أحوال الجو وظهور أشعة شمس دافئة في المكان الذي يتواجد فيه، فيشعر بحيوية اكبر ويعود لنشاطه المعهود إلا طبعا بعض الاشخاص ممن يعانون من اكتئاب نوعي فيأخذ ذلك وقتا اكبر لأن لديهم اضطرابا مسبقا.
كما للاكتئاب المعروف فنفس الحلول تقريبا تعالج الاكتئاب الموسمي الناجم عن اضطرابات الفصول إلا أن بعض الأطباء بدؤوا يبتعدون عن العقاقير التي توصف لحالات الاكتئاب المرضية على اعتبار أنها حالة عارضة تصيب معظم الأشخاص فنصحوا بعلاجات بديلة، أهمها ممارسة الرياضة، فهي تزيد من حركية الجسم وبالتالي تساعد الشخص على التخلص من الإجهاد النفسي والعصبي الناجم عن العمل اليومي الروتيني الذي يزيد من قابلية التعرض لحالات الاكتئاب فيشعره ذلك بالراحة ويحدث ذلك توازنا في افراز الهرمونين ويزيد من افراز السيروتونين فيستطيع الانسان بذلك مقاومة الإجهاد والعودة لحيويته المعتادة ومن الأفضل أن تمارس الرياضة حينما يكون الطقس جميلا وتسطع أشعة الشمس في أماكن مفتوحة وغير مغلقة وغير قاتمة ايضا.

العلاج الطبيعي

هناك كذلك ما يسمى بالعلاج الذاتي أو العلاج الطبيعي وهو علاج يساعد الشخص على اكتساب صحة جيدة ويعلمه أيضا كيف يحمي صحته ويحتفظ بحيويته ويعتمد أساسا على تحفيز العوامل العلاجية الطبيعية كما يعتمد أغذية معينة تعوض نقص الفيتامينات في جسم الإنسان ويساهم في تحسين عملية الهضم فيتعلم الشخص المعالج أن يتناول أطعمة مناسبة بشكل بطيء وبكميات متوازنة.
من بين التقنيات كذلك تقنية العلاج بالضوء وهي تقنية اعتمدها الدكتور “روزينتال” وهو أسلوب علاجي لحالات الاكتئاب الموسمي وأيضا اضطرابات النوم ويعتمد على التعرض يوميا لأشعة ضوئية اصطناعية ذات منطقة طيف واسعة تمثيلا بأشعة الشمس، وذلك لمعالجة اختلال الساعة البيولوجية لدى الإنسان وبالتالي معالجة اختلال الهرمونين “السيروتونين” و”الميلاتونين” وهذه التقنية هي الأكثر استعمالا إلى الآن لمعالجة الاكتئاب الموسمي.
وعموما الاكتئاب هو شعور يحول الإنسان إلى شخص سلبي، فيجمع بين الحزن والإحساس بالخيبة والفشل ويبعد الانشراح عن النفس ويحل محله القنوط والعبوس والأسى حتى لو لم يكن لذلك مبررا، ولذلك علمنا الله سبحانه في محكم تنزيله كيف نقي أنفسنا منه بطرق إيمانية أيضا، فمثل الشعور به بالحزن والضيق وهما أكثر ما يشعر به المكتئب فأوردهما في أكثر من موقع، فذكر الحزن وعلاجه فقال في سورة النحل” ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون”، فهنا اقترن الحزن بالضيق وهو الشعور المعروف بالاكتئاب، وفي سورة الأنعام قال أيضا سبحانه وتعالى “فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء”، فضيق الصدر الذي يشعر به المكتئب يجعله أحيانا يشعر بالاختناق ويضيق نفسه وهناك من يشعر بأزمات شبيهة بأزمات الربو، والإسلام بما فيه من معاني للإيمان وعبادة تقربنا من الله سبحانه وتعالى يساعد على انشراح الصدر وإبعاد الضيق.
ومن علاج الاكتئاب وتجاوز الاكتئاب الموسمي والعارض ما ذكر في القرآن الكريم وشمل سلوكيات مترابطة أولها الإيمان بالله سبحانه، فهو يبعد الشعور بالضيق والحزن ويبعث في النفس راحة وطمأنينة، فقد قال سبحانه في سورة الأحقاف” إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون” ثم قال في سورة الأنعام “وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون”
ثم الولاية لله وإتباع هداه، فكما جاء في سورة يونس “ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون” وفي سورة البقرة “قلنا اهبطوا منها جميعاً فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون”
والإيمان بالله والولاية له سبحانه لا يكتملان إلا بتقوى الأعمال والتقوى متممة لعلاج الحزن والكآبة، إذ قال سبحانه وتعالى في سورة الأعراف “فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون” وفي سورة الزمر قال سبحانه: “وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون”
وهل تكون التقوى دون الاستقامة في العمل وإتيان صالحه والابتعاد عن طالحه؟ فمن استقام عمله وعمل صالحا جعل الله له وقاية من الاكتئاب والهم والحزن، ففي سورة النحل قال سبحانه “من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون”.
كما ذكر الله سبحانه وتعالى العبادة وكثرة الاستغفار والتسبيح والسجود كوسيلة للوقاية من الضيق والكمد فقال في سورة الحجر “ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين