بشرى ازور

شهدت الأقاليم الجنوبية للمملكة، وفي إطار مشروع الجهوية الموسعة، إرساء أسس النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي يسعى إلى الدفع بعجلة الاقتصاد المحلي بهذه الربوع، من أجل الانخراط في ورش التنمية المستدامة لكافة أنحاء المملكة.

هذا النموذج التنموي، الذي يستمد مبادءه الكبرى من دستور 2011 والمنبثق من رؤية واعدة تسعى لتمكين الأقاليم الجنوبية من الاضطلاع بدور حيوي في تحقيق الإقلاع الاقتصادي، يشكل لبنة أساسية تنضاف إلى أوراش التنمية التي يشهدها المغرب في كافة المجالات، ليساهم بذلك في تحقيق دينامية تنموية تمكن الأقاليم الجنوبية من الانخراط في ركب الازدهار الاقتصادي.

في رسالة ملكية سامية موجهة إلى المشاركين في أشغال منتدى كرانس مونتانا المنعقد بالداخلة في مارس الماضي، أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس أنه “نموذج ينبثق من رؤية واعدة، غايتها النهوض بأقاليمنا الجنوبية الثلاثة، لتصل إلى المستوى الذي يسمح لها بلعب دورها كاملا، كقطب اقتصادي إفريقي، وجسر يربط أوروبا بمنطقتي المغرب العربي والساحل”.

“لقد أصبح اليوم هذا المخطط التنموي”، يضيف جلالة الملك، “حقيقة ملموسة، حيث أعطينا خلال زياراتنا الأخيرة للصحراء، الانطلاقة لعدد من الأوراش التنموية الكبرى، وفاء بالتزامنا تجاه مواطنينا في أقاليمنا الجنوبية. ويتعلق الأمر بإحداث أقطاب اقتصادية تنافسية، قادرة على الرفع من معدلات النمو، وخلق فرص للشغل، وتثمين البعد الثقافي وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحماية البيئة”.

كما اعتبر جلالة الملك أن “من شأن هذه الأقطاب أيضا أن تساهم في تدعيم القطاعات المنتجة، كالفلاحة والصيد البحري والسياحة البيئية، وتعزيز شبكات الربط البري والجوي والبحري بين الأقاليم الجنوبية وباقي جهات المملكة من جهة، ومع الدول الإفريقية من جهة أخرى”، فضلا عن إيلاء الجانب الاجتماعي اهتماما خاصا، من خلال إطلاق مجموعة من المشاريع الرامية للرفع من جودة التعليم والخدمات الصحية، والبنيات السوسيو اقتصادية.

فتنزيل النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي أطلقه صاحب الجلالة الملك محمد السادس بالعيون بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، والمتسم بطابعه المندمج، يعكس إرادة ملكية قوية وانخراطا شعبيا من أجل النهوض بالتنمية المتوازنة لكافة الأقاليم، وإطلاق دينامية حقيقية يستفيد منها كافة أبناء الوطن، في إطار جهوية موسعة تضمن لكافة الأقاليم الاستفادة بشكل عادل من ثمار أوراش التنمية الكبرى.

إذ سيمكن هذا النموذج التنموي، الذي خصص له غلاف مالي بقيمة 77 مليار درهم، من إحداث أزيد من 120 ألف منصب شغل، باعتباره مخططا مندمجا وشاملا تتكامل فيه مختلف القطاعات من أجل تحقيق قفزة نوعية لاقتصاد الأقاليم الجنوبية للمملكة، وجعلها جسرا بين أوروبا والعمق الإفريقي للمغرب.

وينطلق النموذج التنموي الجديد من مبادئ احترام وتشجيع حقوق الإنسان الأساسية في معناها الواسع، مدرجا الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.

ويشير تقرير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (أكتوبر 2013) إلى أن النموذج التنموي يقوم على أربعة مبادئ كبرى، تتمثل في التنمية البشرية الإدماجية والمستدامة، ومشاركة الفاعلين ذوي الصفة التمثيلية والساكنة المحلية في كافة مراحل إعداد وتفعيل البرامج التنموية بالجهة، واحترام فعلية الحقوق الإنسانية الأساسية للمواطنين، وكذا دعم مكانة الدولة في دورها كمنظم وضامن لتطبيق القانون.

كما يسعى هذا النموذج، الذي يفعل على مرحلتين، حسب الوثيقة ذاتها، إلى إقرار رؤية ومبادرات أكثر تشاركية وإدماجية، باعتبارها تحولات ضرورية لإطلاق دينامية حقيقية للنمو، قائمة على حكامة مسؤولة، بغية إطلاق دينامية حقيقية للنمو، مبنية على التعاون والتضامن الاقتصادي وتوطيد العلاقات الاجتماعية، وتعزيز التماسك.

إن النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، يشكل بحق، خطوة حقيقية ستمكن من كسب رهان الجهوية المتقدمة، إذ يضع هذا النموذج الإنسان في صلب رؤيته الاستراتيجية المندمجة، الرامية إلى تحقيق التنمية المستدامة في كافة أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية، لتساهم هذه الربوع، إلى جانب باقي أنحاء الوطن، في مسيرة الازدهار وتحقيق رفاه الإنسان.