ما يمارسه مدير مؤسسة التعاون الوطني عبد المنعم المدني، القيادي الصاعد في حزب العدالة والتنمية، ليس فسادا ولكنه “بن عمو” و”ولد خالتو” و”خوه في الرضاعة”.

فأن يتصرف الرجل في المؤسسة المكلفة بالإيتام والمساكين والعجزة وكأنه وضع اليد عليها بعدما تأكد أنها “سايبة” ويغدق من أموال الدولة والمساعدات ومحجوزات الجمارك الموضوعة رهن إشارتها على جمعيات مكلفة بالحملة الانتخابية الدائمة لحزب رئيس الحكومة، وبالحملة الخاصة به في دائرته الانتخابية دون خوف من السقوط في تضارب المصالح واستغلال النفوذ والشطط في استعمال السلطة، يعني أن محاربة الفساد لها دلالة أخرى غير الدلالة المتداولة، وقد لا ينفد إليها حتى الضالعون في علوم اللغة من العرب والعجم مالم يكونوا قد اغترفوا من علم بنحماد الذي سارت بذكره الركبان في كل بلاد، وحتى الفساد الآخر، الذي يشغل بال الإخوان، ويجعلهم عسسا على أعضاء بعينها حد التهيج المؤدي إلى النجاسة وتخريب الأسر، لا يحاربه، فقد اختار المدير تجاوز المشكلة التي أثارها تحرش أحد محمييه بسيدة بالاقتصار على نقله من نقطة درء للفضيحة .

عبد المنعم المدني، الذي كان أول الإخوان الذين وضعهم رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران على رأس مؤسسة عمومية مباشرة بعد صدور المرسوم الذي يطلق يده للتعيين في المناصب العليا، حول مؤسسة التعاون الوطني من مؤسسة عمومية تابعة للدولة إلى ملحقة بحزب العدالة والتنمية وجماعة الإخوان المسلمين- التنظيم القطري بالمغرب.

وكان هذا التعيين ذا أهمية قصوى في أجندة زعيم حزب العدالة والتنمية الانتخابية، لأنه يعرف أن الاستغلال الانتخابي لهذه المؤسسة بدأ مند أول انتخابات عرفها المغرب عندما كانت توزع زيت ودقيق “الماريكان” على المصوتين في تجمعات الفقر والفاقة، ويذكر ربما أن الزعيم الوطني عبد الخالق الطريس فضح ذلك في مرافعته لدى تقديم ملتمس الرقابة سنة 1965 من طرف المعارضة الاستقلالية والاتحادية، كما يذكر ولاشك أن المعارضة الاتحادية قد هاجمت في 1976 و1977 تسخير نفس المؤسسة لفائدة المستقلين الذين تم شحنهم في شاحنة التجمع الوطني للأحرار ثم لفائدة الاتحاد الدستوري الذي ولد وفي فمه ملعقة بطلاء ذهبي في 1982. فقد كان بنكيران بذلك التعيين يرغب هو أيضا في الاستفادة من إمكانيات هذه المؤسسة المنتشرة في كل الأقاليم انتخابيا، مراهنا على تواطؤ بعض الموظفين الذين يرددون “الله ينصر من اصبح” طمعا في المناصب والترقيات والتعويضات وجبن آخرين.

ومند أن تولى عبد المنعم المدني مديرية التعاون الوطني، بمرتب مدير عام ( 5 مليون سنتين شهريا عدا التعويض عن التنقلات الكثيرة والشهر الثالث عشر والبريمات …)، قام بغزوة داخل المؤسسة باسم محاربة الفساد، الذي عشش فيها فعلا لعقود من الزمن دون أن ينتهي اليوم، حيث قام خلال السنوات الثلاثة المنصرمة بطرد27 موظفا وتوقيف راتب 37 موظفا ودفع 06 موظفين إلى تقديم استقالتهم بعد مضايقتهم وتهديدهم، واستكمل عزوته بإعفاءات شبه شاملة من مناصب المسؤولية دون اعتبار للقانون، لأنه يشعر أن كتفيه قويين على القانون بأخته الحقاوي وأخيه بنكيران وكتائب حزبه المسخرة للتخويف. ولأن الرجل يشتغل في إطار أجندة حزبية وانتخابية وليس كمسؤول عن مؤسسة تابعة للدولة، ولأنه لايثق إلا في إخوانه الذين يشاركونه استراتيجية الزحف من أجل “التمكين” للحزب الإسلاموي، فقد لجأ إلى حيلة ترك عدد من المسؤوليات المركزية والجهوية فارغة كي تبقى تابعة له ومؤتمرة بأمره في كل صغيرة وكبيرة، وكأنه يدبر دكانا لبيع “صيكوك” وليس مؤسسة عمومية مفروض أن يمر تحريرها من الفساد الراسخ فيها عبر المأسسة ووضع قواعد ومساطر واضحة للتدبير والتتبع والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة.

هكذا صارت مؤسسة التعاون الوطني بقرة حلوب يحلبها حزب رئيس الحكومة كما يشاء بدلا من أن تنشغل بتحسين وضعية الخيريات على الأقل ورعاية ساكنتها من الإيتام والمعوزين، حيث تم تفويت مجموعة من المراكز الاجتماعية لفائدة جمعيات تعتبر امتدادا للجناح النسائي للعدالة والتنمية والزاوية التي يتبع لها ولبعض زوجات قياديين بالحزب، وذلك عبر إبرام اتفاقيات شراكة مفتوحة مع المنسقيات الجهوية، خاصة منها تلك الموقعة في أواخر شهر دجنبر من سنة 2013 بعد التداول بشأنها حزبيا. وكان طبيعيا أن يحرص المدير على تسخير المؤسسة التي وضع على رأسها لخدمة نفسه ومصلحته الانتخابية، حيث عقد اتفاقية مع جمعية تابعة لحزبه تتولى رئاستها الزوجة الثانية للمرحوم أحمد باها بحي يعقوب المنصور بالرباط استفادت بمقتضاها من إمكانيات التعاون الوطني ودعمه، أخدا بعين الاعتبار أن عبد المنعم المدني قد وضع على رأس مقاطعة يعقوب المنصور بدعم من بنكيران.

وعقد اتفاقيات شبيهة مع مركز وفروع جمعية السلام للانماء الاجتماعي، التابعة لحركة التوحيد والإصلاح ، التي تمددت عبر التراب الوطني وتحولت إلى آلة استقطابية وانتخابية يمارس فيها التكفير والتهييج، ومع مركز وفروع جمعية العمل الاجتماعي والثقافي المعروفة مقراتها بكونها ملحقات لحزب العدالة والتنمية بشكل مكشوف، وجمعية أمل حركة نسائية، وجمعية بسمة، وجمعية رياض الأمل، وجمعية الأيادي البيضاء، وجمعية كرامة، وجمعية أهلي … حيث استفادت هذه الجمعيات وشبكاتها من جزء أساسي من الميزانية المخصصة للجمعيات، ووضعت رهن إشارتها مجانا مقرات تابعة للتعاون الوطني واستفادت من المحجوزات التي تخصصها إدارة الجمارك لهذه المؤسسة، والمفروض أن تذهب لليتامى والعجزة والمعوزين لا إلى جمعيات الإخوان التي لا يراقبها أحد، ولا يستطيع أحد أن يقترب منها وهي التي تحظى بحماية المدير والوزيرة ورئيس حزب العدالة والتنمية والحكومة ودعم الكتائب الإلكترونية والإعلامية للحزب الإسلاموي التي تكرر ممارسات الفلانج والمليشيات الفاشية الإيطالية في زمن الإنترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي تحت إشراف الوزير المكلف بالدعاية.

وقد كانت الاتفاقيات التي عقدتها مؤسسة التعاوني مع هذه الجمعيات فتحا في ميدان التعاقد مع الجمعيات يكشف حقيقة من يزعم النبوة والرغبة في الإصلاح، إذ سجل العارفون بدواخل الأمور أنه، ولأول مرة في تاريخ المؤسسة، “تمنح الجمعيات التابعة لحزب مدير التعاون الوطني حق التصرف في ممتلكات القطاع (مراكز و تجهيزات) دون شروط أو قيود مسطرية، كما تنص على ذلك المادة الأولى من الاتفاقية المعقودة مع زوجة المرحوم باها النموذجية و التي حددت التزامات المنسقية في : “وضع مقرات المراكز التابعة للتعاون الوطني رهن إشارة البرامج التنشيطية للجمعية” . و في مادتها الثالثة تنص نفس الاتفاقية وتلزم المؤسسة ب : تجهيز مركز الجمعية بالتجهيزات والأدوات…” ، كما أن جزء من المقرات المحولة لفائدة هذه الجمعيات تم اقتطاعه وتحويله إلى سكن عشوائي في خرق سافر للتعاقدات، على علاتها.

وسجل أنه تم استعمال التعاون الوطني لدعم الجمعيات التابعة لحزب رئيس الحكومة في محاولاتها ترجمة المساعدات التي خصصت من ميزانية الدولة للمطلقات والأرامل إلى أصوات انتخابية واستقطابات حزبية بشكل مناف ليس فقط للأخلاق الإسلامية، بل وللأخلاق بشكل عام، حيث أوحت تلك الجمعيات للنساء المستفيدات أن الأمر يتعلق بصدقة بنكيران والعدالة والتنمية التي اعترضت عليها وعارضتها كل الأحزاب، بينما المعروف أن كل شئ كان جاهزا لدخول هذه المساعدات إلى حيز التنفيذ في ظل الحكومة السابقة وباتفاق كل الأطراف.

ورغم محاولاته ستر ما بات عاريا، فإن الملاحظات الواردة في تقارير الخبير الحيسوبي والافتحاص قد نبهت إلى الاختلالات والانحرافات في تدبير مؤسسة التعاون الوطني من طرف المدير التقي المصلح. وإذا كان طبيعيا أن تتغاضى الوزيرة بسيمة الحقاوي، لأن أخاها يخدم المصالح الحزبية ولأنه محمي من طرف زعيم حزبها الذي استقدمه من وزارة المالية، فإن ما لايفهم هو كيف استمر التغاضي عن وضعية كارثية من طرف إدارات القطاع العمومي والميزانية . ويبدو أن الوزير المنتدب في المالية الأزمي يقوم بما يلزم لحماية إخوانه الذين وضعوا على رأس عدد من المؤسسات العمومية ، وربما هذه هي المهمة التي يتلقى عنها راتب وزير كامل بعد مجئ بوسعيد وتمكنه من وضعه على الرف.

محمد نجيب كومينة