- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

هكذا ترى إسرائيل الحراك الجزائري؟

159

أخبار سوس/ وكالات

سنة 1999، وبعد شهرين فقط من وصول بوتفليقة إلى سدّة الحكم، حدث أول لقاء تاريخي بين رئيس جزائري ورئيس وزراء إسرائيلي، وذلك خلال جنازة الملك المغربي الحسن الثاني، إذ التقى كلّ من بوتفليقة وإيهود باراك حينها وتبادلا بعض الجُمل والمجاملات، وبإنجليزيّة ركيكة، قال بوتفليقة للوزير الإسرائيلي: «إذا احتجتم لأي مساعدة، نحن هنا لمساعدتكم». وقد أحدث هذا اللقاء حينها ردود أفعال غاضبة في الداخل الجزائري من الرئيس الجديد، الذي برّر هذا اللقاء بأنّه تعرّض لمؤامرة، وأن اللقاء كان مدبّرًا من أجل الإيقاع به، وأكّد أن الموقف الجزائري الداعم للقضية الفلسطينيّة لا رجعة فيه.

بعد 20 سنة من هذه الواقعة، تعيش الجزائر أسابيعها الأولى بدون بوتفليقة في الرئاسة؛ بعد انتفاضة شعبيّة أدّت إلى تدخّل الجيش والإطاحة به من السلطة، لكن الأعين الإسرائيليّة لا تبتعد عن الشأن الجزائري الذي تضعه نصب أعينها، وعلى التغييرات العميقة المحتملة التي قد يأتي بها الحراك الشعبي في الجزائر، واحتماليّة التغيير في موازين القوى الذي قد يأتي به، خصوصًا فيما يتعلّق بالعلاقة الجزائرية مع القضية الفلسطينيّة.

لا يمكن أن يغفل أيّ متابع للعلاقة بين الجزائر والقضية الفلسطينيّة حجم الارتباط الشعبي الوثيق بين الجزائريين والفلسطينيّين على المستوى الشعبيّ؛ إذ إنّ الرايات الفلسطينيّة تحضر بقوّة في مسيرات الحراك الشعبيّ في الجزائر منذ 22 فبراير (شباط)، وتدوّي شعارات «فلسطين الشهداء» في البريد المركزي بالعاصمة وفي الكثير من المدن الأخرى، في موازاة لنفس الظاهرة التي تحدث على مرأى الإسرائيليّين في مسيرات الشعب الفلسطيني أثناء مواجهاته مع الاحتلال الإسرائيليّ؛ إذ يحضر العلم الجزائري بقوّة في تلك المشاهد أيضًا.

فالدور التاريخي للجزائر في القضيّة الفلسطينيّة على المستوى الدبلوماسي، ومواجهتها العسكرية المباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي أثناء حرب 1973، من خلال مشاركتها في الجبهة المصريّة بالجنود والطائرات؛ يجعل منها محور اهتمام للساحة الأكاديمية والسياسية في إسرائيل، خصوصًا في ضوء الحراك الشعبيّ الذي قد تكون له نفس الانعكاسات التي حدثت في سنة 2011 مع موجة الربيع العربي التي طالت أغلب الدول العربيّة.

ويمكن القول: إنه مع تراجع الوجود الجزائري في الساحة الدولية وفي أفريقيا بشكل خاص في السنوات الأخيرة،عرفت إسرائيل جيّدًا كيف تستغلّ هذا الغياب الجزائري والعربي بشكل عام في القارّة الأفريقيّة، وعملت خلال السنوات الأخيرة على التمدّد في هذا الفراغ ونسج شبكة من العلاقات الدبلوماسية والاقتصاديّة والخيريّة في دول الساحل التي تمتلك أغلبها حدودًا مع الجزائر.

إذ شهدت كلّ من مالي والنيجر بوادر إحداث علاقات مع إسرائيل، كما أنّ الزيارة المتبادلة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو والرئيس التشادي شكّل عنوان مرحلة جديدة لإسرائيل في منطقة الساحل وأفريقيا، وقد كانت القمة الأفريقية الإسرائيليّة في توغو سنة 2017 – التي أُلغيت في آخر لحظة بعد تدخّل بعض الدول الأفريقية – مؤشّرًا قويًّا على النفوذ الاستثنائي للإسرائيليين في القارة الأفريقية التي كانت يومًا مصدر دعم غير محدود للقضية الفلسطينيّة.

وتبقى الجزائر من بين البلدان العربيّة القليلة التي لا تملك علاقات رسميّة مع إسرائيل، وهو الواقع الذي قد تعمل إسرائيل على تغييره خصوصًا في ظلّ التوجّه الخليجي نحو التطبيع، ومع السياق الدولي الحالي الذي تستغلّه أمريكا من أجل الاعلان على «صفقة القرن»؛ التي يرى الكثيرون أنها تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينيّة لصالح الإسرائيليّين. وتخشى إسرائيل أن يؤدّي الحراك الشعبي في الجزائر إلى تغييرات كبيرة في توجّهات السلطة في الجزائر، خصوصًا إذا وصل إلى سدّة الحكم أطراف، تتّخذ مواقف أكثر معاداة لإسرائيل ممّا كان عليه نظام بوتفليقة، خصوصًا أن احتماليّة أن يكون للحراك الجزائري  أثر «الدومينو» على باقي المنطقة، مثلما حدث في تونس سنة 2011 بعد اندلاع الربيع العربي في أكثر من بلد، بما فيها البلدان المجاورة للأراضي الفلسطينية المحتلّة.

رئيس الورزاء الإسرائيلي نتنياهو رفقة الرئيس التشادي ديبي

مركز أبحاث إسرائيلي: الحراك في الجزائر قد يخلق نظامًا سياسيًا جديدًا في المنطقة

منذ انطلاق الاحتجاجات في الجزائر في 22 فبراير الماضي، نشر «معهد الأمن القومي الإسرائيلي» التابع لجامعة تل أبيب تقريريْن عن الحراك في الجزائر؛ وعلاقته بالوضع في الشمال الأفريقي بشكل عام، وانعكاساته على الأمن القومي الإسرائيلي، وقد شبّه مركز الأبحاث الإسرائيلي ما يحدث في الجزائر ومنطقة شمال أفريقيا بشكل عام بأحداث الربيع العربي سنة 2011، إذ ربطت بين الأحداث الجارية في ليبيا والاحتجاجات الشعبية في كل من السودان والجزائر باعتبارها إرهاصات نظام جديد ما بعد الربيع العربي، وأشارت إلى أنّ ملامح هذا النظام تبقى غير محسومة. وأرجعت الورقة الإسرائيليّة أسباب الحراك الشعبي إلى الأزمة الاقتصاديّة التي شهدتها البلاد بعد انهيار أسعار النفط منذ 2014؛ ممّا دفع بالقطاعات الشعبية إلى رفض ترشّح الرئيس الذي يمشي على كرسي متحرّك، ولا يستطيع الحديث للعلن.

وأشار البحث الإسرائيلي إلى أنّه ليس من الواضح إذا ما كان الجيش سيسمح بإحداث تغييرات عميقة داخل النظام السياسي، وأضاف البحث أن قائد الجيش، الفريق قايد صالح هو أحد الذين تُرفع المطالب بإزاحته أثناء الاحتجاجات.

علم فلسطين في المسيرات الشعبية في الجزائر

في ورقة أخرى للمركز نفسه، يرى أنّه على القيادة الإسرائيليّة إعارة اهتمام شديد للتغييرات التي تحدث في منطقة شمال أفريقيا، وبالتحديد في الجزائر، إذ يرى أنّ غياب الاستقرار في هذه المنطقة يرجع إلى خمس نقاط رئيسة: قيادة سياسية تعاني الشيخوخة دون وجود بدائل واضحة، ووضعية اقتصاديّة هشّة، والصراع بين الإسلاميين وغير الإسلاميين في هذه المنطقة، والتهديد الجهادي القائم، بالإضافة إلى النفوذ الروسي المتزايد في بلدان الشمال الأفريقي.

وترى الورقة أنّ على إسرائيل أن لا تُغفل أن الأحداث في الجزائر وشمال أفريقيا بشكل عام؛ ومدى قدرتها على التأثير على منطقة الشرق الأوسط، أي أنّ المحيط المجاور لإسرائيل يبقى مهدّدًا بحدوث تغييرات سياسية بفعل التأثير المتبادل مع شمال أفريقيا، وأن على إسرائيل التحضير لأي تغييرات محتملة قد يتسبّب فيها الحراك في الجزائر.

غياب الاستقرار سيشكّل تحديًا لإسرائيل.. وفُرصًا محتملة أيضًا!

كثيرًا ما يحترف الإسرائيليّون استغلال الأزمات والقلاقل الأمنيّة التي تبدو في الوهلة الأولى مصدر تهديد للاحتلال الإسرائيليّ، لكن الإسرائيليّين يرون فيها أيضًا فرصة لإحداث تغييرات عميقة وإزاحة حواجز سياسية وأمنيّة سابقة، ولعل الوضع في كلّ من ليبيا ومصر خير دليل على ذلك، إذ إن الثورات في هذه البلدان بعد 2011 كانت تشكّل مصدر قلق للإسرائيليّين من وصول حركات سياسيّة معادية للاحتلال الإسرائيلي؛ لكنها اليوم تتمتّع بعلاقات استثنائيّة مع النظام المصري، مع بوادر للتقارب مع الجنرال خليفة حفتر في ليبيا.

تؤكد الورقة الإسرائيليّة أن غياب الاستقرار في منطقة الشمال الأفريقي ستطرح تحدّيات على إسرائيل من الناحية الأمنية، ولكنها في الوقت نفسه،ستطرح فُرصًا حقيقية، حسب الورقة.

المطلع على الورقة سيلاحظ بلا شكّ أن الاهتمام الإسرائيلي الشديد بالأوضاع الأمنية والعسكريّة في الجزائر يبلغ درجة متقدّمة؛ إذ أشارت الورقة إلى أنّ الجزائر تمتلك 460 ألف عنصر أمني نشط، بالإضافة إلى جنود الاحتياط وقوات الدرك التي تعمل على الحفاظ على الوضع الأمني، خصوصًا مع الجارة ليبيا، ومن أجل مجابهة أي تهديد للجماعات الإرهابية القادمة من منطقة الساحل ومنع تمدّدها لأوروبا. وترى الورقة أن أيّ قلاقل سياسية من الممكن أن تؤثر سلبًا على هذا الوضع الأمني، وبالتالي على استقرار المنطقة.

علم الجزائر في مسيرات العودة في غزّة

وتضع الورقة حركات الإسلام السياسي في قلب الاهتمام الإسرائيلي، خصوصًا أن هذه الحركات استطاعت تعزيز تواجدها السياسي حتّى بعد الضربة التي تلقّتها حركة «الإخوان المسلمين» في مصر سنة 2013، إذ إن «حركة النهضة» في تونس تعتزم المشاركة في الانتخابات الرئاسية القادمة هذه السنة، أما عن الجزائر فأشارت الورقة إلى دور التيّار السلفي المدخلي الذي استخدمته السلطة من أجل تحجيم دور الحركات الاسلامية الحركيّة الأخرى. وبالتالي فإن التيارات الإسلامية – بالنسبة للإسرائيليّين – فينبغي أن تبقى محلّ مراقبة لصيقة. بالإضافة إلى ذلك فإن الورقة ترى أنه من الضروري أيضًا عدم إغفال نفوذ الحركات «الجهادية» مثل «تنظيم القاعدة» وتنظيم «الدولة الإسلامية (داعش)» ونفوذهم المتزايد في الشمال الأفريقي.

النفوذ الروسي المتزايد في الجزائر وشمال أفريقيا عمومًا يشكّل أيضًا مصدر اهتمام قويّ للإسرائيليّين، إذ يرون أن موسكو من خلال تواجدها في منطقة المغاربية تحصل بذلك على موطئ قدم في البحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى الامتيازات الاقتصادية في قطاع النفط والبنى التحتية، وبالتالي تضع نفسها لاعبًا رئيسًا في المنطقة، خصوصًا أن الجزائر تعدّ ثالث أكبر مستورد للسلاح الروسي في العالم.

ما الذي تخشاه إسرائيل من الحراك الجزائري؟

القضية العاجلة بالنسبة لإسرائيل هي احتمالية تحوّل الحراك في الجزائر إلى عامل يهدّد الاستقرار في المنطقة، والاستقرار بالنسبة لوجهة النظر الإسرائيليّة طبعًا لا يتلخّص في مجرّد الجانب الأمني والعسكري أو مكافحة الإرهاب، بل يعني في الأساس إبقاء التوازنات الكبرى على حالها، وعدم حدوث تحوّلات جذرية في مراكز النفوذ أو في المواقف تجاه القضية الفلسطينية، خصوصًا فيما يخصّ الموقف الجزائري والعربي بشكل عام تجاه القضية. كماترى الورقة الإسرائيليّة أن غياب الاستقرار في السابق قد أنعش وصول السلاح إلى مناطق سناء وغزّة. وترى الورقة أن على القيادة الإسرائيليّة زيادة التنسيق الأمني مع جيرانها من أجل تفادي حدوث تغييرات عميقة في التوازنات الحاليّة.

يرى الباحث في العلاقات الدولية وليد عبد الحيّ أن الإسرائيليين في المرحلة القادمة سيعملون على الحصول على المعلومات الاستخباراتية حول القوى الداعمة للمقاومة الفلسطينية؛ والعمل على تحجيمها وتشوييها إعلاميًا، والحصول على الدعم الأمريكي واللوبي الصهيوني من أجل الضغط على دول المغرب لإقامة علاقات مع إسرائيل، بالإضافة إلى احتمالية استغلال الإسرائيليّين لورقة الأقليات والعرقيات والمذاهب من أجل إحداث انقسامات داخل الحراك أو داخل المؤسسة العسكرية، والعمل على توسيع العلاقات مع كل من تشاد والنيجر ومالي وموريتانيا باعتبارهما جارتين للجزائر.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.