عبد اللطيف وهبي

27

عبد اللطيف وهبي

قد أختلف معك في الرأي، ولكني مستعد أن أدفع حياتي ثمنا لحقك في التعبير» فولتير
حضرت بإرادتي وليس بدعوة من أحد للقاء نظمه أصدقاء قدامى، كنا ننتمي جميعنا إلى الشبيبة الاتحادية، إلى تلك المدرسة التي علمتني المبادئ الأولية في السياسة. وإلى اليوم، لست بناكر لأفضالها. كانت ليلة جميلة، فاحت منها رائحة العلاقات الإنسانية، نسينا جميعا الماضي، ولم يستطع أن يفرق الحاضر ارتباطنا الإنساني النبيل.
ورغم أن البعض ظل في الحزب، والبعض الآخر انتقل إلى أحزاب أخرى، والقليل انزوى لذاته، كان لقاؤنا إنسانيا صرفا، فتحنا أيدينا للعناق، رجعت بنا الذاكرة إلى الماضي القريب، وحتى البعيد، سردنا قصصا وروايات ووقائع وأحداث، ثم سألنا بعضنا البعض عن أبنائنا ومسارهم الدراسي، وعن أحوال أسرنا، سألنا عن الذين لم يحضروا، عمن تغيب إراديا، وتذكرنا بقوة من غيبه قصرا الموت أو المرض.
تبادلنا أرقام هواتفنا من جديد، وحتى العناوين، تبادلنا بعض القفشات وضحكنا جميعا ملء شدقينا، فرحين بهذا اللقاء النبيل، بهذه الصدفة التاريخية، وبهذا الحضور الجميل، والأجمل هو أننا غيّبنا السياسة ومشاكلها، واستحضرنا فقط، الجانب الإنساني وأبعاده، وتعاهدنا على اللقاء مرة أخرى.
خلال هذا اللقاء تركنا كل خلافاتنا وراءنا، وحتى خيباتنا، فقط تعانقنا من أجل توافق إنساني، ونسيم آت من زخم نضالي في ماضينا قد تختلف نكهته بنضال حاضرنا، وهكذا حافظنا على رُقي هذا اللقاء، على جماليته وإنسانيته، تبادلنا الكثير من الابتسامات، والكثير من السخرية والقليل جدا من السياسة.
كان الحضور غفيرا، يتجاوز المئتين، جلهم أصدقاء قريبون وبعيدون، معظمهم إن لم أقل جلهم غزا الشيب مفرق رؤوسهم، سخرنا من ذلك، لكنه حكم الزمن وطبيعة السنوات.
كان اللقاء لحظة نضج إنساني، وكان السؤال، وماذا بعد؟ كثيرون قالوا إنه سؤال مرفوض، فقط علينا أن نلتقي، ثم نلتقي، لأنه حق إنساني، ولأنه واجب أخلاقي، ولأنه ذكرى تعود بنا إلى الشباب. تذكرنا كيف حملنا آنذاك حلما جميلا لتغيير الأوضاع. تذكرنا كيف سعينا من أجل ذلك بنكران للذات، وباستعداد للتضحية، لم نهدف إلى تقييم التجربة، أو حتى إلى أن نتحاسب، نحن هنا لنرقص، ولنغني، لأننا كنا على صواب، فلم نرهب أحدا، ولم نغتال شخصا، بل كنا نريد وطنا أجمل من الذي عشناه، رغبنا في حرية للناس أكثر من التي مارسناها في حياتنا واختياراتنا. حلمنا بغد أفضل للشعب، بوطن يسع الجميع، قد نكون نجحنا ولو جزئيا، أو حتى أخفقنا، لكننا حاولنا، وهذا هو المهم.
ولأننا كنا نضال من أجل هدف مثالي، فإننا لم نضمر لأي كان شيئا في نفوسنا، بل تجاوزنا أخطاءنا، وتصالحنا مع ذواتنا، كنا متفقين في شبابنا، وحتى ونحن على اختلاف في كبرنا لم نؤاخذ أحدا، ولم نحاسب أحدا، إذ اعتبرنا ذلك طبيعيا، وحقا محترما، ولذلك التقينا.
تبادلنا قصص حياتنا، وعدنا بالوراء إلى ذكرياتنا وقفشاتنا، تذكرنا أصدقاء وشهداء وقيادات وزعامات، لم نفكر في أخطائهم، كما أننا لم نفكر في انتماءاتنا حاليا، بل فكرنا في شيء واحد، هو أننا عشنا معهم. كانوا مربينا، وكانوا جزءا من حياتنا، وكنا جزءا من حركيتهم وقيادتهم، فالشبيبة الاتحادية كانت مدرسة بمعنى الكلمة، وستظل كذلك، تعلمنا فيها الكثير، ولذلك فالاعتراف فضيلة، والفضيلة من شيم تلك المرحلة.
وحين انتهى اللقاء، تواعدنا على لقاء قريب، وعلى موعد قريب، لنرقص من جديد، ونبتسم من جديد، ونتعانق من جديد، لأننا مقتنعون أن السياسة تنتهي، والمواقف تتغير، فقط، البعد الإنساني هو ما يبقى فينا، فهذا ما يستمر في الوجود، والباقي إلى زوال.
اليوم 24

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.