مقهى “جدل”.. مائدة عمّانية تجمع مختلف الشعوب

32

في بيت عمّاني قديم يشبه بيوت دمشق العتيقة، بغرفها الموزعة حول نافورة ماء تتوسط ساحة المقهى، تستمع هبة خدام للمغنية الدمشقية لينا شماميان لعل الأغنيات تعيد لها جزءا من ذكريات مسروقة منذ أن قدمت إلى عمّان، إبان الثورة السورية، مطلع العام 2012.

هبة التي أنهت دراسة الهندسة الجينية، تواظب على حضور فعالية “العشاء العالمي” التي يقيمها مقهى “جدل”، منذ قدومها إلى الأردن تعرفت من خلال فعاليات المقهى الثقافية على صديقات كثر، إحداهن من جنسية روسية، تدعى منى الحمود، وهي من أب أردني وأم روسية.

أعدت هبة، طبقا سوريا يُعرف بسلطة الحمص ويتكون من الطماطم والحمص والبصل وزيت الزيتون.

تضيف هبة في حديثها للجزيرة نت، أنها لا تفوت المشاركة بفعالية “العشاء العالمي” نهاية كل شهر، ليبقى الطبق السوري حاضرا بين ثقافات العالم، رغم ما أصاب السوريين من آلام.

أميركي يطهو الشكشوكة
قُبيل ساعات من بدء الفعالية، يبحث المحامي الأميركي إيل كاتس في مطبخه المنزلي في العاصمة الأردنية عمان، عما يمكن طبخه وتقديمه ضمن فعالية “العشاء عالمي”.

لم يفكر كاتس كثيرا في إعداد طبق الطعام، فمكونات “الشكشوكة” متوفرة في كل بيت، والشكشوكة أكلة عربية تشتهر عند الفلسطينيين في مدينة عكا المحتلة، حيث قضى كاتس عاما كاملا فيها، مستمتعا بشواطئها وجمالها الساحر بعد إنهاء المرحلة الجامعية في ولاية أوهايو الأميركية.

يصف كاتس فترة إقامته في عكا الفلسطينية بالأجمل في حياته، حيث اعتاد السباحة في شواطئها بشكل يومي، إضافة لتطوعه مع الأطفال هناك.

تغير لون كاتس عندما أخبرته بأن من يجري المقابلة فلسطيني لا يستطيع الوصول إلى مدينة عكا، لكني تداركت الموقف سريعا بعد عاصفة من الصمت، لأسأل كاتس عن مكونات الشكشوكة، مجيبا بأنها تحتوي على بصل وطماطم وفلفل حار وفلفل حلو وبيض وثوم وبهارات.

يقيم إيل كاتس (28 عاما)، المهتم بقضايا الشرق الأوسط في الأردن منذ أربعة شهور، ويعمل محاميا مع منظمات غير حكومية.

كاتس الذي يحب الأكل الشرقي كثيرا، يلتقي في مقهى جدل جنسيات متعددة ضمن فعالية العشاء العالمي، كالألمانيين والبريطانيين والأردنيين على حد سواء.

يختم كاتس حديثه للجزيرة نت، بأنه يُحب التعرف على أشخاص من خلفيات وثقافات مختلفة، بسبب اهتمامه بالتجربة الإنسانية بكل تنوعها، وبحسبه فإن هذه الفعاليات تساهم في تغيير الصورة النمطية عن الإنسان العربي وما يُعرف عند الغرب بالإسلاموفوبيا، وبدوره فإنه حمل على عاتقه مسؤولية أن يكون سفيرا للشرق عند عودته للولايات المتحدة.
ألمان من أجل السوريين
الألمانيان بيرغت فوغت ورولاند هسل، تعرفا على بعضهما لحظة جلوسي معهما، وقد أتيا إلى عمّان لتعلم اللغة العربية، لتحسين تواصلهما مع اللاجئين السوريين في بلدهما ألمانيا.

تقول فوغت (39 عاما) التي تعمل في سلك التعليم، إنها أحبت تجربة العشاء العالمي، وقد التقت بأردنيين تناولا الطعام على مائدة واحدة في أجواء تشاركية، تركت انطباعا جيدا عن الأشخاص في الأردن.

ويعمل رولاند هسل (32 عاما) في المجال الطبي لمعالجة مشاكل اللاجئين السوريين في كل من صربيا ولبنان واليونان.

جاء إلى الأردن لتعلم اللغة العربية ليساعده ذلك في عمله، يحب الفلافل العربية كثيرا، وقد بدا سعيدا بقضاء يوم جميل تجول فيه حول العالم من خلال أطباق الطعام.

مقهى جدل
يقع مقهى “جدل” على أقدم أدراج عمان (درج الكلحة) الواصل بين وسط المدينة وجبل اللويبدة، وقد تم تحويله من بيت عماني -يعود لمطلع ثلاثينيات القرن الماضي- إلى مقهى ثقافي، بمبادرة من الشاب فادي عميرة على إثر الربيع العربي، لتوفير مساحة رحبة للفكر والحوار ورفع الوعي بقضايا متنوعة.

كما أن المقهى مجهز بقاعة للقراءة، ومعرض فنيّ، وقاعات للدورات وورش العمل.
كسر حاجز الخوف
يقول أسامة عميرة، الذي يعمل في ورديات مسائية في المقهى، إن فعالية العشاء العالمي تهدف إلى جمع سكان المدينة رغم اختلافهم وتنوعهم على مائدة طعام واحدة، كما يمكن للأشخاص من خلال هذه الفعالية كسر حاجز الخوف بأن يتعرف كل منهم على الآخر.

عميرة الذي يعمل في المقهى مدربا لفنون القتال والدفاع عن النفس، يضيف أن انفتاح زبائن المقهى من الأجانب على الثقافات الأخرى دفع زبائنه الأردنيين والعرب للانفتاح بالطريقة ذاتها، والتعرف على الآخر دون انطباعات مسبقة عن شكله أو لونه أو عرقه، وهذا ما يمكن أن يشعر إدارة المقهى بالسعادة.

ويختم عميرة بأن مثل هذه الفعاليات يمكن أن تغير واقع المنطقة العربية بسبب ما تعانيه من حروب وصراعات نتيجة غياب لغة الحوار.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.