- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

التعليم الخصوصي بين كثرة الإقبال وإشكالية الجودة

155

عرف التعليم الخصوصي في المغرب خلال السنوات الأخيرة إقبالا متزايدا من قبل الأسر المغربية وارتفاعا ملفتا للنظر في العرض رغم تكلفته التي ترهق جيوب أولياء وآباء التلاميذ من حيث الواجب الشهري ومتطلبات الدراسة. و اعتبرته السلطة الوصية على قطاع التربية والتكوين شريكا وطرفا رئيسيا في النهوض بنظام التربية والتكوين وتوسيع نطاق انتشاره والرفع من جودته. وتفيد الإحصائيات التي نشرت في الآونة الأخيرة على أن عدد المدارس والمعاهد الخاصة التي تم تشييدها على عموم التراب الوطني أكبر بكثير من المدارس العمومية، مما يؤكد مدى استقطاب هذا النوع من التعليم لاهتمام أولياء الأمور، لاسيما الأسر الميسورة التي لطالما رأت في التعليم الخصوصي وسيلة أساسية لتحقيق التأهيل المناسب لأبنائها و البوابة الأسرع لاقتناص الفرص الوظيفية و تحمل المسئوليات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية. ويرجع تاريخ ظهور التعليم الخصوصي بالمغرب إلى فترة الحماية، حيث عملت السلطات الاستعمارية على توفير التعليم المناسب لأبناء الأجانب المقيمين بالمغرب. بعد ذلك قام الوطنيون بتدشين مجموعة من المدارس الخاصة أردوا بها إرساء قيمة الممانعة والوقوف في وجه المستعمر، من خلال إذكاء الروح الوطنية والحفاظ على معالم الهوية المغربية. ونظرا للتسهيلات الكبيرة التي تقدمها الدولة وتطور بنيات المجتمع المغربي، فقد وجهت رسا ميل ضخمة لاستثمار في هذا المجال وتم اقتحام كل مراحل التعليم انطلاقا من التعليم الابتدائي وصولا إلى التعليم الثانوي. ولم تسلم مرحلة التعليم الجامعي هي الأخرى،فقد لوحظ في الآونة الأخيرة انتشار معاهد وجامعات خاصة عرفت إقبالا كبيرا لنيل الشهادات العليا . ولعل الاهتمام الواسع الذي أصبح يحظى به التعليم الخصوصي بالمغرب، يرجع أساسا إلى إنضاج الشروط الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية لمختلف الطبقات الاجتماعية و تطور لوسائل الإنتاج المواكبة للاختيارات الرأسمالية ومستجدات التكنولوجيا و وسائل الاتصال ،وما يقتضي ذلك من وجود مؤهلات معرفية ولغوية متعددة. إضافة إلى فقدان الثقة في المدرسة العمومية وتدني الوضع في المؤسسات التعليمية الحكومية،التي أصبحت تقدم منتوجا تعليميا لا يلبي متطلبات سوق الشغل. ورغم الجهود التي تبذلها الدولة و الوزارة الوصية من أجل الارتقاء بالعملية التعليمية والتربوية لمؤسسات ومعاهد التعليم الخصوصي، ما يزال هذا القطاع يعرف وضعا يرثى له ، حيث يشتغل ضمن سياقات يسودها الكثير من الغموض والهواية التربوية .ويرجع ذلك إلى ضعف الجوانب التنظيمية وهشاشة الأسس القانونية المنظمة لبنية هذا القطاع. فإذا اضطلعنا على معظم النصوص القانونية المتمثلة في محتويات الميثاق الوطني للتربية والتكوين والقوانين التنظيمية سنجد أن الجزء المتعلق بالتعليم الخصوصي هو هزيل جدا مقارنة مع التعليم العمومي أو بقطاعات أخرى ، اللهم بعض الإشارات الخجولة والتي لا تستجيب لشروط الاحتراف التربوي و الممارسة الموضوعية، ولا تواكب ضرورات العصر ومستجدات الحداثة والتكنولوجيا. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على قصور الإطار القانوني لهذا القطاع رغم حيويته الكبيرة، و غياب رؤية إستراتيجية واضحة المعالم تجسد العلاقة بين الإخوة الأعداء . و المتتبع لطبيعة المستثمرين في هذا المجال، سيجد أن اغلبهم هم فقط أصحاب الشكارة ولا علاقة لهم بهذا المجال، إذ تفتقر فيهم أبسط شروط الكفاءة المهنية والخبرة الميدانية التي تأهلهم لتسيير وتدبير الفضاءات التعليمية ،بل أن ما فعلته الدولة هو أن فتحت الأبواب على مصراعيها أمام أصحاب الرساميل الضخمة من أجل تسليع العملية التعليمية والتربوية وتحويل الطفل المغربي إلى سلعة يتعامل معه المستثمر بمنطق الربح والخسارة ، مع العلم أن هذا القطاع ليس كباقي القطاعات لكونه موجها لصناعة العقول و تربية الأجيال التي يمكنها تسيير و تدبير مستقبل البلاد في باقي القطاعات الأخرى. و يكاد المشهد يتكرر في كل مناطق المغرب، فالتعليم الخصوصي أصبح موضة بقدر ما هو عملية تعليمية أو رسالة أخلاقية. ويرجع ذلك إلى ضعف الأهلية التربوية والكفاءة البيداغوجية لهيئة التدريس ولكافة الجسم الإداري الساهر على تسيير هذه المؤسسات التعليمية ، حيث أن أغلبهم لم يتلقى أي تكوين بيداغوجي ولم يخضع لأي دورات تأطيرية تأهله لمزاولة مهنة التعليم. كما أن هؤلاء يتقاضون أجورا هزيلة لا تتجاوز في غالب الأحيان الحد الأدنى لأجور مما يؤثر على وضعيتهم و الاجتماعية و الاقتصادية وبالتالي تدني لأدائهم ومردودهم المهني والتربوي . أضف إلى ذلك غياب مصداقية المراقبة التربوية والإدارية على العديد من المؤسسات التي تعرف فسادا ، مقابل إغـراءات ومساومات على حساب الشروط القانونية و التربوية والإدارية المنصوص عليها في القوانين المنظمة لهذا القطاع . فواقع حال هذه المؤسسات التعليمية يؤكد بكل وضوح أن التعليم الخصوصي قد صار يسوق الوهم للناس، فالكثير من مؤسساته عبارة عن منازل أو عمارات شاهقة تفتقد للتجهيزات والمساحات الضرورية لمزاولة بعض الأنشطة المهمة للنمو الجسدي والذهني والعقلي للمتعلمين كالرياضة ومحترفات الرسم والتعبير الجسدي و مختبرات المواد العلمية والمكتبات. كما تعرف هذه االفضاءات التعليمية غياب شروط السلامة والوقاية اللازمة خاصة بالنسبة للحضانة والتعليم الأولي، مع عدم الاهتمام بالجانب الجمالي لهذه الفضاءات. إزاء كل هذه الوقائع، يلزم على الوزارة الوصية مراجعة جميع الأسس القانونية و التنظيمية المهيكلة للقطاع بإرادة قوية وحكيمة، سواء المتعلقة بالمستثمر و شروط الاستثمار أو المتعلقة بطرق تدبير القطاع. كما ينبغي على المسؤولين إعداد قاعدة للمعطيات و خريطة للمؤسسات الخاصة وكذا لتوزيعها الجغرافي، مع ضرورة تعزيز الرقابة التربوية والإدارية وخلق إطار قانوني للتعاون بين القطاعين العمومي والخصوصي، مع ضرورة إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية التي تضمن قيم المساواة و تكافؤ الفرص

رضوان الصديقي

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.