تحولات داخلية في الخطاب الانفصالي: أصوات من الداخل تفكك السردية التقليدية

اخبارسوس/متابعة
5 ابريل2026
في تطور لافت يعكس تحولا في طبيعة الخطاب المتداول داخل الأوساط الموالية للأطروحة الانفصالية، برزت خلال الأيام الأخيرة تدوينة منسوبة لأحد النشطاء المحسوبين على هذا التيار، تتضمن انتقادات صريحة لبنية الخطاب السائد، وتوصيفات غير مسبوقة من قبيل “فشل النظام القبلي” و”ضياع المكتسبات”، في ما يقرأ كمؤشر على تصدع داخلي يتجاوز حدود التباين الظرفي ليبلغ مستوى المراجعة الذاتية.
لا تبدو هذه التدوينة، وفق قراءة متقاطعة لمضامينها وسياق تداولها، مجرد تعبير فردي معزول، بقدر ما تعكس دينامية أعمق داخل هذا التيار، حيث بدأت بعض الأصوات في الابتعاد عن الخطاب التعبوي التقليدي، متجهة نحو تفكيك سرديات ظلت لعقود تشكل الإطار المرجعي للتعبئة والدفاع.
ويلاحظ أن لغة الخطاب المتداول حديثا تميل إلى النقد الداخلي بدل توجيه الرسائل إلى الخارج، مع تصاعد الحديث عن اختلالات بنيوية تتعلق بطبيعة التنظيم، وآليات اتخاذ القرار، وحدود الفعل السياسي، هذا التحول في زاوية الخطاب يعد في التحليل الإعلامي أحد أبرز مؤشرات الانتقال من مرحلة الدفاع إلى مرحلة المراجعة.
يأتي هذا التطور في سياق يتسم بتغيرات متعددة المستويات، سواء على الصعيد الميداني أو السياسي، فقد شهدت السنوات الأخيرة تحولات في موازين التأثير، وتراجعا نسبيا في فعالية الخطاب التقليدي، مقابل صعود أنماط جديدة من الوعي داخل الأوساط المعنية، مدفوعة بتراكمات اجتماعية واقتصادية، وتزايد تداول المعلومات عبر الفضاء الرقمي.
كما أن استمرار نفس الأدوات الخطابية دون تجديد أو مراجعة، ساهم في إضعاف قدرتها على الإقناع، خصوصا لدى فئات شابة باتت تطرح تساؤلات مرتبطة بالجدوى والآفاق المستقبلية، وفي هذا السياق تفهم الإشارات الواردة في التدوينة حول “الحراك” و”الثورة” باعتبارها تعبيرا عن حالة احتقان داخلي، أكثر من كونها إعلانا عن دينامية ميدانية منظمة.
لطالما اعتمدت الأطروحة الانفصالية على خطاب يرتكز على ثنائية المظلومية والتعبئة، غير أن بروز خطاب نقدي من داخلها يسهم في إضعاف هذا البناء الرمزي، فحين تصدر توصيفات سلبية من فاعلين محسوبين على نفس التيار، فإن ذلك يفقد الخطاب جزءا من تماسكه الداخلي، ويعيد تشكيل صورته لدى المتلقين.
وتظهر مؤشرات الخطاب الحالي أن النقاشات الداخلية لم تعد تقتصر على تباينات تكتيكية، بل بدأت تمس الأسس المرجعية وهو ما يضع هذا التيار أمام تحدي إعادة تعريف ذاته، أو مواجهة مزيد من التآكل التدريجي في رصيده الرمزي.
على المستوى المحلي يتوقع أن يسهم هذا التحول في إعادة تشكيل النقاش داخل الأوساط المعنية، مع احتمال بروز تيارات فرعية تتبنى مقاربات مختلفة تجاه الواقع والمآلات، كما قد ينعكس ذلك على طبيعة التفاعل داخل الفضاءات الرقمية، التي باتت تشكل منصة رئيسية لتبادل المواقف وبناء التأثير.
أما على المستوى الوطني فإن تراجع تماسك الخطاب المقابل قد يعيد ترتيب معادلات التفاعل السياسي والإعلامي، خاصة في ظل استمرار المقاربات التي تركز على التنمية والاستقرار كمدخل لمعالجة القضايا ذات الصلة.
في ضوء هذه المعطيات يطرح التحول الراهن أسئلة مفتوحة حول قدرة هذا التيار على إعادة إنتاج خطابه بما يتلاءم مع المتغيرات، أو الاستمرار في الاعتماد على سرديات فقدت جزءا من فعاليتها، وبين خيار المراجعة أو الاستمرار، تبدو المرحلة الحالية محكومة بإكراهات داخلية متزايدة، تعكسها بوضوح الأصوات التي بدأت تتجرأ على النقد من الداخل.
ختاما لا يتعلق الأمر بواقعة معزولة، بل بمؤشر ضمن مسار آخذ في التشكل، عنوانه الأبرز انتقال الخطاب من حالة التماسك الظاهري إلى اختبار حقيقي لقدرته على الصمود في مواجهة تحولات عميقة ومتسارعة.



