إعفاء عامل إنزكان آيت ملول… سقوط أول أوراق شجرة الفساد العقاري

لم يأتِ قرار وزارة الداخلية بإعفاء عامل إقليم إنزكان آيت ملول، إسماعيل أبو الحقوق، من مهامه، صدفة أو في توقيت عابر، بل جاء مباشرة بعد زيارة لجنة وزارية ثلاثية للعمالة، ثلاثة أيام متواصلة، لتفكيك ملفات مشبوهة. الإعفاء، وإن بدا إدارياً، يحمل في طياته رسائل قوية: زمن التغاضي عن مافيا العقار وتلاعباتها بالملك العمومي قد ولّى، أو هكذا يأمل الرأي العام.
الفضيحة التي فجّرت الوضع
مدينة إنزكان اهتزت على وقع فضيحة مدوية: عقار يفوق 4600 متر مربع، مخصص لبناء مؤسسة تعليمية تخدم أبناء الساكنة، يتحول بقدرة قادر إلى مشروع تجاري ضخم. الصفقة تمت بثمن بخس لا يعكس القيمة الحقيقية للأرض، ودون أي تعديل رسمي مسبق لتصميم التهيئة.
بعدها بسنوات قليلة، يعاد بيع العقار نفسه بثمن مضاعف مرات عديدة، لفائدة شركة حديثة الولادة، مملوكة لزوجات وأقارب مسؤولين نافذين. هنا تتجلى المسرحية الكاملة: تفويت مدروس، تعديل تصميم على المقاس، وتجريد العقار من صبغته التعليمية، ثم رخصة بناء سخية لمشروع من خمسة طوابق، رغم أن المنطقة لا تسمح إلا بثلاثة.
تضارب المصالح… أم زواج المال بالسلطة؟
ما جرى ليس مجرد تضارب مصالح، بل استغلال فجّ للنفوذ وتواطؤ خطير بين مصالح إدارية ولوبيات عقارية. أن يتحول عقار عمومي مخصص للتعليم إلى “صفقة ذهبية” داخل دائرة ضيقة من المستفيدين، هو دليل على أن الفساد صار ممنهجاً، لا مجرد استثناء.
سيناريو يتكرر
الخطير أن الفضيحة ليست وحيدة. نفس الوصفة استُعملت في صفقات أخرى داخل نفوذ ترابي مجاور: عقارات مخصصة للمرافق العمومية تتحول فجأة إلى مشاريع تجارية وسكنية. هذه ليست صدفة، بل منهجية متكررة تستنزف رصيد الساكنة من المرافق العمومية وتحوّل الملك العام إلى غنيمة شخصية.
من يتحمل المسؤولية؟
إعفاء العامل أبو الحقوق قد يُقرأ كتضحية بواجهة المشهد، بينما الرأي العام يتساءل: ماذا عن المسؤولين والمنتخبين الذين وقّعوا، سهلوا، وغطوا هذه الصفقات؟ هل يكفي تغيير الأسماء في الواجهة، أم أن الوقت قد حان لفتح ملفات ثقيلة أمام القضاء، وتعريه شبكات المال والسلطة التي تتغذى على الفساد العقاري؟
صرخة أخيرة
ما يجري في إنزكان ليس مجرد ملف عقار ضائع، بل جريمة في حق التنمية وثقة المواطن. عقار كان سيحتضن مؤسسة تعليمية، صار مركزاً تجارياً لفئة نافذة. هنا يضيع التعليم، تُغتال المصلحة العامة، ويُكرّس نموذج “المغرب النافع” و”المغرب غير النافع”.
المطلوب اليوم ليس فقط الإعفاء، بل محاسبة صريحة لكل من تورط، وفتح كل الملفات المماثلة على مستوى الجهة. فالمعركة الحقيقية ليست مع عامل أُعفي، بل مع شبكة مصالح تستبيح العقار العمومي، وتغتال في صمت حق الأجيال القادمة.



