“المقاول الذاتي” ..كيف سقط آلاف المغاربة في فخ الضرائب؟

اخبارسوس/متابعة

قبل عشر سنوات، قدمت الحكومة المغربية على عهد رئيسها “عبدالاله بن كيران”، نظام المقاول الذاتي كإجراء ثوري يهدف إلى إخراج مئات الآلاف من العاملين في القطاع غير المهيكل نحو الاقتصاد الرسمي. وعدت الدولة بمساطر مبسطة، وضرائب رمزية، وحماية اجتماعية تدريجية، ودخولٍ قانوني إلى السوق. اليوم، وبعد مرور عقد، يبدو أن النظام الذي بُني على طموح الإصلاح انتهى إلى بيروقراطية جديدة تلاحق الفئات نفسها التي قيل أن النظام جاء من أجلها.

تشير أرقام الوكالة الوطنية للنهوض بالمقاولات الصغرى والمتوسطة إلى أن عدد المسجلين في نظام المقاول الذاتي تجاوز 450 ألف شخص سنة 2024، لكن المعطى الأكثر دلالة هو أن جزءًا كبيرًا من هؤلاء لم يحقق أي رقم معاملات فعلي منذ تسجيله. مصادر مهنية تتحدث عن “نسبة خمول” تتجاوز 60 في المئة، أي أن أكثر من نصف حاملي البطاقة لا يزاولون نشاطًا حقيقيًا. ورغم ذلك، تستمر مديريات الضرائب في مطالبتهم بالأداء، كأنهم مقاولون ناشطون في السوق.

القانون رقم 114.13 الذي يؤطر النظام ينص بوضوح على أن الإدارة تشطب تلقائيًا على كل مقاول ذاتي لم يُصرح بأي رقم معاملات طيلة سنة كاملة. لكن التطبيق الميداني يبدو غائبًا. “أوقفتُ نشاطي سنة 2021، ومع ذلك ما زلت أتلقى إنذارات بالأداء حتى اليوم”، يقول عبد الرحمن (42 سنة)، صحفي سابق انخرط في النظام ثم انتقل إلى وظيفة مأجورة. ويضيف: “لم أربح درهمًا واحدًا، لكن الدولة تعاملني كأنني أملك شركة قائمة. اضطررتُ في النهاية إلى دفع المبلغ فقط لأتخلص من الرسائل المختومة بالأحمر.”

هذا النموذج يتكرر في شهادات كثيرة. عبد الله، تقني كهرباء من القنيطرة، يقول إن نظام المقاول الذاتي “بدأ كفرصة وانتهى إلى فخ”. سجّل نفسه بدافع الحماس سنة 2019، لكنه لم ينجح في إيجاد زبائن. بعد خمس سنوات، تلقى مطالبة ضريبية متبوعة بإنذار بالأداء، رغم أن رقم معاملاته كان “صفرًا”. وعندما توجه لتقديم طلب التشطيب، طُلب منه أداء المتأخرات أولًا، ليُغلق الملف الذي لم يُفتح أصلًا.

مديريات الضرائب تتعامل مع هذه الملفات بمنطق إداري صارم لا يراعي واقع الميدان. فكل رقم تعريف ضريبي نشط يعني حسابًا مفتوحًا، وكل حساب يعني وجوب أداء الرسم المهني السنوي، ولو كان صاحبه بلا نشاط. في بعض المدن، تُرسل الإنذارات آليًا دون مراجعة وضعية المكلفين، وهو ما يفسر توصل كثيرين بإشعارات أداء رغم توقفهم عن العمل أو هجرتهم إلى مدن أخرى.

في المقابل، لا تقدم المصالح المعنية مساطر واضحة للتشطيب أو التسوية. فالإجراءات تتوزع بين بريد المغرب الذي يسجل النظام، ومديريات الضرائب التي تحتسب الرسوم، دون تنسيق فعلي بين المؤسستين. هذا التداخل يخلق حلقة بيروقراطية مغلقة يصعب الخروج منها. “أردت فقط أن أشطب اسمي من النظام، فوجدت نفسي أتنقل بين خمس إدارات مختلفة”، يقول شاب من الدار البيضاء، مضيفًا: “كل إدارة تحيلك إلى أخرى، وفي النهاية يُقال لك خلّص عاد نهضرو على التشطيب”.

من الناحية الاجتماعية، النظام لم يحقق الأثر المعلن عنه. فحسب أرقام صادرة عن وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى، أقل من 10 في المئة من المقاولين الذاتيين تمكنوا من الولوج إلى برامج التمويل أو التغطية الاجتماعية. كما أن نسبة ضئيلة فقط تستفيد من صفقات أو شراكات رسمية، ما يجعل أغلبهم في الهامش نفسه الذي كانوا فيه قبل التسجيل.

يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، سبق وأكد بدوره خلال لقاء “مقهى المواطنة”، المنظم من طرف حركة “المواطنون” أن بعض الشركات عمدت الى استغلال صيغة “المقاول الذاتي” للتهرب من الاتزامات الاجتماعية للتشغيل، وتحويل الاجراء الىمقاولين ذوي “الزبون الواحد” عوض ادمادهم كأجراء.

من جهتهم، يؤكد خبراء اقتصاديون أن الإشكال لا يكمن في فكرة النظام، بل في طريقة تنزيله. فالغاية الأصلية كانت “دمج الاقتصاد غير المهيكل في النسيج الرسمي”، لكن التنفيذ تم بعقلية جباية لا بعقلية مواكبة. “الإدارة تعتبر المقاول الذاتي مكلفًا ضريبيًا أكثر مما تعتبره مشروعًا صغيرًا يحتاج إلى الدعم”، يقول خبير في المالية العمومية، مضيفًا أن الدولة “تتعامل مع الرقم أكثر مما تتعامل مع الإنسان”.

أما على مستوى التواصل، فلا وجود لحملات دورية توضح للمواطنين حقوقهم والتزاماتهم داخل النظام. المواقع الرسمية غالبًا ما تقدم معلومات عامة ومجتزأة، فيما يتكفل الوسط الافتراضي — مجموعات فيسبوك وتطبيق واتساب — بتداول التجارب والنصائح. وبين نقص التوضيح وكثرة الغموض، يجد المقاولون الصغار أنفسهم ضحية جهل إداري لا يُعذر به أحد.

في بعض الحالات، تحولت المعاناة إلى ما يشبه المأساة البيروقراطية. هناك من تلقى إنذارًا بالأداء رغم وفاته منذ عامين، لأن النظام لم يُحدّث بياناته. وهناك من أغلق نشاطه رسميًا لكنه ما زال يظهر في النظام الإلكتروني “نشطًا”، إلى أن يتراكم عليه ما يكفي من الغرامات ليُطلب منه الأداء من جديد.

ورغم كل ذلك، ما زالت الخطابات الرسمية تعتبر التجربة “قصة نجاح”. في ندوة نظمتها وزارة المالية سنة 2023، قيل إن “المقاول الذاتي ساهم في خلق فرص شغل جديدة وتعزيز ثقافة المقاولة لدى الشباب”. غير أن غياب دراسات تقييمية مستقلة، وعدم نشر أرقام مفصلة حول نسب النشاط الفعلي، يجعلان هذه الخطابات أقرب إلى الترويج منها إلى التحليل.

التجارب الميدانية توضح كذلك أن مساطر التشطيب لا تقل تعقيدًا عن التسجيل نفسه. فالمنصة الإلكترونية، التي يُفترض أن تُنهي المسطرة بضغطة زر، تحيل في النهاية إلى مكاتب الضرائب، حيث تبدأ سلسلة من الطلبات والتواقيع والانتظارات التي تعيد إنتاج البيروقراطية ذاتها التي قيل إن النظام جاء لمحاربتها.

وفي غياب مراجعة شاملة تُعيد للنظام روحه الأصلية، يبدو أن آلاف المغاربة سيفضلون العودة إلى “الظل”، بدل البقاء في ضوء نظام لا يمنح سوى المتاعب. فالمقاول الذاتي الذي كان يُفترض أن يكون رمزًا للمبادرة، صار اليوم رمزًا لخيبة إصلاح إداري لم يكتمل، ومثالًا جديدًا على كيف تتحول النية الحسنة إلى ورطة مكتملة الأركان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى