إقليم إفني تقييم أثر ال”INDH” 2005-2026… بين الخطاب الرسمي وتحديات العدالة المجالية

اخبارسوس
24ما
أطلقت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005 كمشروع ملكي يروم تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، ومحاربة الفقر والهشاشة، وتعزيز الرأسمال البشري. وبعد مرور 21 سنة، يمثل إقليم سيدي إفني، الذي أصبح إقليماً مستقلاً سنة 2009، نموذجاً لدراسة مدى ترجمة أهداف المبادرة على المستوى الترابي، خاصة في ظل خصوصيات الإقليم الهامشي ورهاناته التنموية.
تسعى هذه الورقة إلى مقاربة إشكالية التوزيع المجالي للمشاريع المنجزة في إطار المبادرة بالإقليم، ومقارنة المعطيات الكمية الرسمية مع ملاحظات ميدانية ونقاشات مجتمعية حول مدى تحقق العدالة المجالية والشفافية في التدبير.
وتعتمد الدراسة على المنهج الوصفي-التحليلي بالاستناد إلى:
البلاغ الرسمي لعمالة إقليم سيدي إفني الصادر بتاريخ 21 ماي 2026 بمناسبة الذكرى 21 للمبادرة.
تقارير صحفية صادرة عن مواقع محلية وجهوية غطت أنشطة المبادرة بالإقليم.
معطيات كمية حول توزيع المترشحين والمشاريع حسب الجماعات الترابية.
الملاحظات المتداولة في النقاش العمومي المحلي بخصوص التوزيع المجالي والشفافية.
ووفق المعطيات الرسمية، تم إنجاز 1358 مشروعاً ونشاطاً بكلفة إجمالية بلغت 493 مليون درهم، ساهمت المبادرة فيها بـ367 مليون درهم. وتتوزع هذه المشاريع على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى 2005-2010: 265 مشروعاً بكلفة 107.44 مليون درهم، ركزت على محاربة الفقر والهشاشة.
المرحلة الثانية 2011-2018: 695 مشروعاً بكلفة 229.26 مليون درهم، ركزت على الولوج للخدمات الأساسية والتأهيل الترابي.
المرحلة الثالثة 2019-2026: 398 مشروعاً بكلفة 156.7 مليون درهم، مع تحول نحو الاستثمار في الرأسمال البشري، خاصة عبر برنامج تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب.
إشكالية التوزيع المجالي والعدالة الترابية
تظهر المعطيات الخاصة بمنصة الشباب لسنة 2025 اختلالاً في التوزيع الجغرافي للطلب على المشاريع: 80 مترشحاً من جماعة سيدي إفني، مقابل 28 من ميراللفت، و15 من الأخصاص، و15 مشتركة بين آيت الرخا وتيوغزة.
يعكس هذا التوزيع واقعاً بنيوياً يتمثل في:
تركّز البنيات والخدمات في المركز الحضري، مما يسهل ولوج الساكنة القريبة إلى المعلومة والدعم التقني.
ضعف التغطية المؤسساتية في الدواوير النائية، مما يحد من قدرة الساكنة على الترشح وتتبع المشاريع.
احتمال إعادة إنتاج الفوارق المجالية رغم الخطاب الرسمي الداعي إلى تقليصها.
إشكالية الحكامة والشفافية :
ينص خطاب المبادرة على مبادئ الحكامة المتمثلة في المشاركة، الشفافية، تحمل المسؤولية، والثقة المتبادلة. إلا أن التحليل يظهر محدودية في تنزيل هذه المبادئ على المستوى الترابي بسبب:
غياب نشر تفصيلي لتوزيع الميزانيات حسب الجماعة والمشروع.
ضعف آليات التتبع والتقييم التشاركي التي تشرك المستفيدين في قياس الأثر.
عدم وضوح دور المديريات القطاعية، كالمديرية الإقليمية للصحة، في المواكبة التقنية والإدارية للمشاريع.
المقارنة مع المشاريع المهيكلة: قراءة وتقييم على هامش تصريح العامل الجديد محمد ضرهم :
يطرح الرأي العام المحلي سؤالاً مركزياً يتعلق بنجاعة صرف الميزانيات المخصصة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بالإقليم. فالغلاف المالي التراكمي البالغ 493 مليون درهم يقارب تقريبا ما رصد لمشروع توسعة ميناء سيدي إفني، الذي يعد أكبر مشروع مهيكل بالإقليم. وبينما ظل هذا المشروع المهيكل يعرف تعثراً في الإنجاز والتدبير رغم أهميته الاقتصادية، فإن المبادرة بوصفها مشروعاً اجتماعياً لا مادياً تواجه بدورها إشكالية قياس الأثر على الأرض.
و بعد تناوب أربعة عمال على الإقليم منذ إحداثه سنة 2009، يبرز تساؤل حول مدى مساهمة التدبير الإداري المحلي في تحويل هذه الميزانيات إلى تنمية ملموسة.
فالخطاب الرسمي يعرض أرقاماً ومشاريع، لكن غياب التتبع الميداني والشفافية في التوزيع المجالي يخلق فجوة بين المعطيات الكمية والإحساس المجتمعي بالتنمية.
في هذا السياق، يمكن القول إن المبادرة لم تعانِ بالضرورة من نقص في التمويل، بقدر ما عانت من إشكاليات في الحكامة الترابية. فاستمرار تدبير الملف بمنطق بروتوكولي مغلق، يعتمد على لوائح حضور شكلية بدل إشراك فعلي لنخب المنطقة وكفاءاتها المدنية والجامعية، ساهم في إضعاف فعالية البرامج. كما أن غياب التقييم المستقل والمحاسبة الترابية فتح المجال أمام سوء التسيير والتدبير غير الرشيد، وهو ما يحمله المواطن غالباً على عاتق “الدولة” ككل، بينما المشكل في الواقع يعود إلى فشل جزئي في الأداء المؤسساتي المحلي.
لذلك، تشكل الذكرى السنوية للمبادرة فرصة لتفعيل المبدأ الدستوري للمقاربة التشاركية المنصوص عليه في الفصل 12 من دستور 2011. التقييم الحقيقي يتطلب إشراك الفعاليات المؤهلة من أبناء الإقليم، وتفكيك آليات “حراس المعبد التدبيري” في العمالة و السلطات المحلية التي تحول دون المساءلة. إن تصحيح هذا المسار ضروري حتى لا تتحول الميزانيات الضخمة إلى مجرد أرقام في التقارير، وحتى تستعيد ساكنة الإقليم الثقة في علاقة المواطنة مع الدولة ومؤسساتها.
خاتمة :
تبقى المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بسيدي إفني ورشاً مفتوحاً يتطلب الانتقال من مقاربة كمية إلى مقاربة نوعية، تضع المواطن وعدالة المجال في صلب التقييم. فالمشروع الملكي لا يكتمل إلا إذا تحقق شعاره “لا أحد يتخلف عن الركب” على مستوى التراب الوطني كله، مركزاً وهوامش.
قائمة المراجع :
عمالة إقليم سيدي إفني. (2026، 21 ماي). بلاغ صحفي حول حصيلة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بالإقليم بمناسبة الذكرى 21 لانطلاقها. لقاء تواصلي رسمي، سيدي إفني.
مشاهد. (2026، 21 ماي). منذ 2005…493 مليون درهم تكلفة مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بسيدي إفني.
Guelmim Alhadath. (2025). 52 فكرة، 52 حلما.. سيدي إفني تراهن على شبابها من أجل التنمية.
بلادي نيوز. (2025). من أجل التنمية سيدي إفني تراهن على شبابها ب 52 فكرة، 52 حلما…
Rogif. (2025). المشاريع والتمويل في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية 2026.
المملكة المغربية. (2011). الدستور المغربي. الرباط: الجريدة الرسمية. الفصل 12، الفصل 156.
بقلم محمد الوحداني
كاتب رأي



