إن الاهتمام بموضوع الموت والآخرة هو موضوع لم ينل بعد اهتماما كبيرا من قبل العلوم الإنسانية، فعدد البحوث في هذا الإطار ما تزال محدودة للغاية. ومن أبرز الباحثين الانثروبولوجيين الذين اهتموا بهذا الموضوع، ولهم كتابات هامة في هذا الإطار، نجد لويس فانسانطوماس “Louis- Vincent Thomas”، الذي سبق له أن أنجز العديد من البحوث الميدانية، التي قارن في بعضها بين الموت في المجتمعات البدائية في افريقيا، وبالضبط في السينغال، وبين الموت في العالم الغربي المتطور.

وإلى جانب لويس فانسانطوماس نجد موريس غودوليي “Maurice Godelier”، الذي اشتغل كذلك على موضوع الموت، وأنجز بخصوصه أبحاثا ميدانية هامة. وقد أشرف السنة الماضية، على إنجاز كتاب حول الموت في مجتمعات متنوعة، وفي حقب زمنية مختلفة. وقد نشر الكتاب المعنون بـ”La mort et ses au-delà” من طرف المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا “CNRS”.

وفي ما يلي ترجمة لحوار صحافي أجراه معه بخصوص هذا الكتاب نيكولا جورني “Nicolas Journet”. والحوار منشور في مجلة العلوم الإنسانية “Sciences Humaines” ، عدد 267، فبراير 2015.

لماذا عالجت موضوع الموت في ارتباطه بالآخرة، علما أن الظاهرة الأولى طبيعية، بينما الظاهرة الثانية اعتقاد يمكن أن نؤمن به أو لا نؤمن به؟

في الواقع، إن المسألة أثيرت من قبل الأطباء، الذين يتساءلون عن الطريقة المثلى لمواجهة الموت، لأن المستشفيات في الوقت الراهن، قد أضحت المكان الذي يموت فيه الكثير من الأشخاص المسنين، وأحيانا يجد هؤلاء أنفسهم وحدهم في مواجهة هذا الوضع. لذا فقد تم خلق أقسام تقدم علاجات مخففة للألم لفائدة الناس المقبلين على الموت. لكن بالنسبة للأطباء المعالجين فإن هذا الأمر يخلق لديهم اضطرابا:في العادة، إنهم يرون دورهم يتمثل في إعادة منح الحياة للمرضى، لكن في أقسام العلاجات المخففة للألم يفوض للأطباء دور مرافقة المرضى في رحلتهم إلى الموت. إن الشخص المعالج يدفع إلى أن يلعب أدوار الأصدقاء، أو الآباء، أو الأقارب، إلخ.

البعض من هؤلاء الأطباء طلبوا مني التفكير،برفقة الأنتروبولوجيين والمؤرخين، في الطريقة التي توصف بها الموت وتعاش في ثقافات وحقب تاريخية مختلفة، وقد اشتغلت على هذا الموضوع مع بعض الزملاء. وهذا ما أدى إلى ظهور هذا الكتاب، الذي يضم أربعة عشر مقالا تتضمن ما يعرف عن الموت وعن الآخرة في مجتمعات مختلفة من العالم الغربي والشرقي والأقيانوسيو الأمازوني، وفي بعض المجتمعات المنتمية إلى العالم القديم، وإلى العصور الوسطى.وقد كانت العينة جزئية، ومقسمة بشكل جيد، لكنها لم تشمل افريقيا.

في الحقيقية، لا يجب الحديث عن الموت، وإنما عن مراحلها: المقبل على الموت، وزمن الموت، وما بعد الموت. فيما يخص المقبلين على الموت يمكن التمييز بين موقفين أساسين: إما جعل لحظة الموت درامية، والبكاء على الفقيد المستقبلي، أو عدم إظهار أي شيء، والتحلي بالهدوء، والتحكم في المشاعر. بعد ذلك، أي بعد وقوع الموت، يجب معالجة جسد الميت، وتهيئة الجثمان. وهنا، نجد أنواعا مختلفة من الطرق التي يتم اتباعها كالدفن والحرق والعرض. فيما بعد تأتي مرحلة الحداد، الذي يعتبر سلوكا اجتماعيا ملزما، كما يعتبر أيضا اعتقادا ميتافيزيقيا، يتعلق بأن الموتى يستمرون في الوجود بكيفية من الكيفيات.

ألا تختلف المعتقدات المرتبطة بالموت باختلاف الأديان؟

هناك بالتأكيد اختلافات مهمة بين الأديان القبلية )كالسيلكا سوالباريوياس والأستراليين وميراناز الأمازون(، والأديان المدنية ) عند الرومان والإغريق(، والأديان الكونية سواء كانت توحيدية أو غير توحيدية )من الهندوسية إلى الإسلام(. ورغم أن هذه المنظومة من المعتقدات تتسم بالاختلاف، فقد تجلت لي من خلال قراءة ما كتبه جون كلود غاليJean-Claude Galey حول طقوس حرق الموتى في الهند، فكرة مهمة، لا تخص المجتمع الهندي وحده، وإنما يمكن تعميمها على المجتمعات الأخرى. يتعلق الأمر بفكرة أن الموت لا تتعارض مع الحياة، وإنما مع الولادة، التي تعد النقيض لها. في المجتمع الهندي ترتبط فكرة الموت بفكرة تناسخ الأرواح. فالأحياء تناسخوا من قبل، وسيعاد تناسخهم،بعد موتهم، في أجساد أخرى. لكن حتى في المجتمعات الأخرى، التي لا يؤمن الناس فيها بدورة الولادات المتجددة نجد نفس التأكيد على التعارض بين الموت والولادة، وليس بين الموت والحياة. إن كل الأديان- وهذه مسألة محل إجماع بينها- تؤكد على وجود الحياة بعد الموت.

كيف ذلك؟

لاتعتبر الموت، في أي مكان من العالم، وبشكل خالص وبسيط، كنهاية للحياة، وإنما كانفصال للعناصر، التي كانت مجتمعة عند الولادة. هذه العناصر لا تتشكل فقط من خلال تزاوج بين رجل وامرأة، وإنما تدرك دائما كمكون انحدر من الأسلاف، أو من عالم الأرواح، أو كما في الأديان الكبرى، من مجموعة من الآلهة، أو من إله واحد.المفهوم الذي تستخدمه المسيحية هو النفس. على خلاف العناصر الأخرى،عند الموت، يستمر هذا العنصر في الوجود، بعد أن ينفصل عن العناصر الأخرى: هذا الذي يبقى هو ما يطلق عليه اسم الروح أو النفس أو النسخة أو أي اسم أخر. في الصين الإمبراطورية كان هناك ايمان بأن كل انسان يملك عشرة نفوس، سبعة منها ثقيلة وثلاثة منها خفيفة. عند الموت تصعد النفوس الثلاثة الخفيفة إلى السماء، بينما تنزل النفوس السبعة الثقيلة إلى الأرض. إن الموت تفرق ما كان مجتمعا عند الولادة.

لكن ما مصدر هذه الفكرة المثيرة للاندهاش؟

لقد ولدت هذه الفكرة من رفض الموت. إنها تقوم على أن الموت شيء غير طبيعي: في الكثير من الأساطير تحدث الموت نتيجة حادث، أو خطأ إنساني. نستطيع أن نقول إن ما تعرضه الطبيعة يمنع الناس من التفكير بأنهم يختلفون عن الحيوانات والنباتات، الذين يرونهم يموتون يوميا. لكن هذه النظرة فيها تبسيط كبير للأشياء، لأن المخيال يشتغل اعتمادا على الطبيعة أيضا. هناك، على سبيل المثال، أسطورة في غينيا الجديدة، وهي ليست وحيدة نوعها، تقول إن الناس قبل أن يصيروا أمواتا كانوا مثل الأفاعي: كانوا يغيرون جلدهم دوريا، وهكذا يظلون شبابا على الدوام. بعد ذلك ارتكبت امرأة عجوز، في يوم من الأيام، خطأ فصار الناس يموتون.

في الواقع، إن الناس في غينيا الجديدة يعلمون، بقدر ما نعلم نحن، أن الأفاعي تموت يوما ما، لكن هذه الخطاطة المخيالة المبنية على ملاحظة الطبيعة، تسمح بالتفكير بأن الناس، في حالة ما لو كانت الأمور قد استمرت كما في السابق، لن يكونوا محكومين بالموت، ولن نكون بحاجة إلى بناء عوالم مخيالية معقدة من أجل تفسير كيف يستمر الأموات في الوجود، وبأي شكل يستمرون. في الميتولوجيا الإغريقية، تلقى المسؤولية على ابيميتيوس “Epiméthée”، الأخ المتهور لبروميتيوس “Prométhée” ، الذي تزوجباندورا “Pandora”، وبذلك نشر بين الناس، واجب العمل من أجل أن يُطعموا أنفسهم، وأن يتزوجوا، وبالأخص، أن يموتوا.كما أن حواء وأدم حرما من الجنة لأنهما أرادا تذوق ثمرة شجرة المعرفة. إنها تقريبا نفس القصة في كل مكان…

ومع ذلك، لا توجد بين كل هذه القصص أشياء هامة مشتركة

إن الاختلافات غير المحدودة، وكذا ما تتميز به الطقوس والأساطير من تعقيدات، لا يجب أن يكون عائقا أمام فهمنا لها. الثابت الأساسي، المتمثل في فكرة أن الموت تتعارض مع الولادة، يقتضي تصور شكل أخر للحياة يختلف عن شكل حياة الأحياء. إنه على الأرجح وجود لامادي ، لكنه يخضع لإكراهات شبيهة بتلك التي يخضع لها العالم الواقعي. إنهيجب تخيل مكان ما يواصل فيه الأموات وجودهم، وهناك طقوس تقام حول الجسر الذي يقود إلى ذلك المكان. لكن هذا الأمر لا يهم كل الأموات: فالأعداء، والمحكومين بالموت، والمنتحرين، ومن المحتمل كل الذين لم تتم مصاحبتهم بشكل جيد في رحلتهم إلى الموت، من الممكن جدا أن يتحولوا إلى أمواتأشرار، أموات يمكنهم أن يسكنوا الأحياء، وأن يلحقوا بهم الضرر. نتحدث إذن عن أموات قريبين. أموات يبقى الأحياء على علاقة بهم، رغم أنهم غير موجودين في الواقع.

هناك تصورات تمييزية بشكل صارخ تهم الآخرة، ويوم الحساب، حيث تخصص الجحيم للأشرار، والجنة للأخيار، ألا توجد ثمة اختلافات هامة بين الأديان بخصوص هذا الموضوع؟

الكثير من الأديان لا تبالي، في الواقع، بمفهوم الحساب، ولا تعتقد أن مصير الأموات يتحدد من خلال الطريقة التي عاشوا بها في الدنيا: كل الناس، أو تقريبا كلهم، يوجدون في نفس الوضع، حيث يتخيل مكان خاص يعيش فيه الأموات. وهذه حالة أغلب الأديان القبلية “Tribales” ، التي لم تتحول إلى دين كوني، كالإسلام، والمسيحية، والبودية. في أوقيانوسيا يتصور هذا المكان غالبا كجزيرة أو قرية بعيدة.

في الأديان الكبرى والقديمة، كالفيدية “Védisme” ، يتحدد مصير الأموات من خلال أفعالهم السابقة. وفي البوذية، إن إعادة التناسخ تتحدد من خلال ما حصله الفرد في حياته من مزايا أو مساوئ، بينما تعد النرفانا “Nirvana” شكل الموت عندما تبلغ حالة اليقظة الكاملة. هذه الطريقة في محاسبة الموتى ترتبط، ربما، بفترة تطور الدول والإمبراطوريات، وملاحظة أن الملوك الأرضيين لا يستطيعون تحقيق العدالة الحقيقية، وأن الآلهة هم وحدهم القادرون على تحقيق مثل هذه العدالة.

إن النفوس، في اليهودية والمسيحية والإسلام، تحاسب من قبل الله على حسب ذنوبها أو أعمالها الصالحة، ويتبع هذا الحساب إما العذاب المقيم في جهنم، وإما نيل السعادة السماوية الخالدة. إنه مبدأ الخلاص، الذي لا يختلف كثيرا عن مبدأ إطلاق الصراح. وقد ابتكرت المسيحية، لاحقا،صكوك الغفران، التي تسمح بالولوج إلى ملكوت الله. ومهما كان الحال، تشترك كل هذه الأديان في مبدأ أن الموت ليست نهاية للوجود، وإنما هي المقابل للولادة.

هناك إذن أديان لا يحاسب الآلهة الموتى على حسب أعمالهم. فهل للآخرة نفس الأهمية في كل الأديان؟

في الأديان التي توجد فيها آلهة، لكن الأسلاف يتمتعون بأهمية أكبر في الحياة اليومية، ينظر إلى هؤلاء- كما يتجلى في الطريقة التي يعبدون بها- على أنهم قادرين على حماية الأحياء أو معاقبتهم. لدينا الكثير من الأسباب للاعتقاد أنه خلال حقبة ظهور الزراعة وتربية المواشي كان الناس معرضين للتغيرات الطبيعية، أكثر من أسلافهم الذين ينتمون إلى حقبة الصيد وجمع الثمار، فصارت بذلك ممارسة عبادة الأسلاف نادرة، وظهرت أشكال أخرى للعلاقات مع الموتى. وهكذا تعددت الآلهة، وظهرت مجامع الآلهة، التي يحكمها سلم تراتبي. إن فكرة أن الموتى يملكون سلطة قوية،وأنه من الضروري الدخول في علاقات معهم هي فكرة قديمة جدا. إن الموتى يمكنهم أن يحموا مثلما يمكنهم أن يعاقبوا: إنهم رفاق مثلهم مثل باقي الأحياء.

أليس القول بوجود الآخرة إنما هو فقط وسيلة للتحكم في الناس، أو بعبارة موجزة، إنه مجرد ايديولوجيا؟

طبعا، يمكن أن يستخدم ذلك للتحكم في الناس. فالتهديد بإعادة تناسخ سيء، أو بجهنم، هو وسيلة من الوسائل، التي تلجأ إليها السلطات الدينية من أجل تحديد المتطلبات الأخلاقية والاجتماعية، التي يجب على الناس الالتزام بها. وقد قال ايمانويل كانط “Emmanuel Kant” إن الاعتقاد في خلود النفس هو مسلمة العقل العملي، وهو اعتقاد ضروري في حاكم خيًر. يعني هذا أنه إذا لم نكن مقتنعين بوجود الآخرة، والخلاص الممكن هناك، فإننا لن نلتزم بأي قانون أخلاقي. وهذا اعتقاد مسيحي وعقابي، لكنه، يعوض العقل. وقد كان كانط يجهل كل المجتمعات القبلية، حيث تفترض الأديان خلود الناس بعد الموت، وتقصي كل محاسبة بعد الموت.

هل معنى هذا أن المخيالات المرتبطة بالآخرة هي، في الواقع، أجوبة عن أسئلة وجودية؟

من حيث المبدأ، أعتقد أن هناك شيء غير مقبول بخصوص حتمية الموت. يعني ذلك أن هناك رفض عميق لشرطنا الإنساني. وهذا أمر موجود في كل الحقب التاريخية، ويهم كل المجتمعات الإنسانية. وقد سبق لفرويد “Freud” أن ميز بين قوتين في الإنسان هما: الايروس “Eros” أو الحب والطناطوس “Thanatos” أو الموت. ونحن نعيش بين قطبي هذه الثنائية. إن الموت هي نهاية الاستمتاع بالحياة. ورفض الموت يعني الرغبة في الاستمرار في الاستمتاع بالحياة. إن الحكماء الأكثر تأثيرا كان عليهم أن يؤمثلوا Idéaliser الموت لجعله مقبولا. لقد كان هؤلاء الحكماء ملزمون باقتراح شيء ما، وبالبحث عن قيمة معينة، وبالتالي اقتراح شكل معين للوجود. بعض الصوفيين مقتنعون بأن الموت ما هي إلا بداية للحياة الحقيقية. إن الحياة ما بعد الموت أكثر جمالا من الحياة الواقعية، لذلك، يجب الاستعداد لها. إن كل هذا هو نتاج لمخيال قوي، يهدف إلى إنكار الموت. ولا يجب أن نفاجأ إذا كانت ما تزال ثمة صعوبة كبيرة في إعلان موت الإله، وفي الدعوة إلى استئصال كل المعتقدات. إن الإنسانية بحاجة إلى الاعتقاد في أن المستحيل ممكن.

هل من المستحيل قبول فكرة أنه بعد الموت سينتهي كل شيء إلى الأبد؟

طبعا، من الناحية المعرفية، هذا الأمر يمكن أن يكون موضوعا للتفكير: بعض الفلاسفة في اليونان القديمة وفي العالم اللاتيني سبق لهم أن فكروا في هذا الموضوع. وقد نصب أفلاطون Platon ،على سبيل المثال، نفسه لمواجهة هؤلاء، مؤكدا على أن هناك جزء من النفس لا يموت. هذه الفكرة كانت حاضرة على الدوام لكنها كانت مرفوضة. في نفس الحقبة التاريخية نجد تصورات أخرى منافسة،مثل رحلة النفوس.

ولكن إذا نحن أخذنا بعين الاعتبار المواقف الشائعة أكثر في العالم فنجد هناك رفض للموت كنهاية للحياة. لقد تشكل في القرن الثامن عشر، ومع بروز عصر الأنوار في أوربا، ثم الفصل بين الدين والدولة في فرنسا، وبروز الفردانية كنمط للحياة، وتفسخ الروابط الاجتماعية، موقف غامض،للكثير من الناس، تجاه الموت. وفي المجتمع المعاصر هناك اتجاه يرمي إلى إفراغ الموت من معانيها القديمة، وإلى الحد من الطقوس الجنائزية، وإلى سلخها من بعدها الميتافزيقي. رغم ذلك، لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من دفن الموتى في مكان محدد، وزيارتهم، وتقديم الورود لهم. وهذا ضرب من الاعتقاد في وجودهم. وفي المجتمعات، المميزة بتعدد شعائرها، تقدم للأموات مواد غذائية. ويحرق الصينيون الأوراق النقدية وصور الحواسب المحمولة والسيارات من أجل الموتى.

ألا يمكن للإنسان أن يصير، بخصوص هذا الموضوع، ماديا صرفا؟

الاعتقاد في وجود حياة بعد الموت هو أمر يتناقض تماما مع الحدس. لا أحد استطاع رؤية النفس تخرج من جسد ميت ما. لكن الاعتقاد في ذلك يترتب عنه،وبالضرورة، خلق ممارسات تُوجه للموتى، وهي ليست مرتبطة جميعها بالدين. فعلى سبيل المثال، مسألة احترام أقوال الموتى الخاصة بالميراث أو بالطقس الجنائزي، وبشكل وسواسي أحيانا، هي أشياء رمزية مثلها مثل الاعتقاد في وجود النفس. فرغم أن الموتى يفقدون حقوقهم الأخرى لكن هذه الحق يحترم. وهذا شكل من أشكال استمراريتهم. لدينا جميعا علاقات عاطفية مع الأشياء التي يتركها لنا أقاربنا عندما يموتون، والتي، حتى وإن لم تكن تصلح لشيء، فنحن نحافظ عليها. إنهم جزء من تلك الأشياء التي لا نستطيع بيعها، أو التصدق بها. في الوقت الراهن توجد في بعض المقبرات إمكانية الولوج إلى الموقع الشخصي للميت، حيث توجد صوره، وموسيقاه المفضلة، وأشياء أصدقائه. إنه حتى في غياب مخيال متطور حول موضوع الآخرة، فرمزية مواقفنا وممارساتنا تجعل الموتى يستمرون في الحياة بيننا.

عن هيسبريس