بالجماعة القروية تنزرت إقليم تارودانت التي تبعد عن مدينة تارودانت بحوالي 45 كلم إلى الجنوب، حيث مقبرة “أغزو ن باهمو”، التي تشهد توافد أكثر من 1500 يهودي ينتمون إلى إسرائيل، وأمريكا، وكندا، وفرنسا ، وإسبانيا، وفنيزويلا، وتونس، وبريطانيا وغيرها، إلى جانب المقيمين منهم بالمغرب، لهذا المكان من أجل التبرك بالحاخام دافيد بن باروخ هاكوهين”، تزامنا مع احتفالات الهيلولة الدينية أو “الهيلوليا” ومعناها “سبحوا الله “، السنوي المعتاد لدى اليهود، قصد الترحم والتبرك بهذا الولي حسب معتقداتهم.

والاحتفاء بليلة الهيلولة يتم في يوم 3 طبيبط (تيفيس)(Tevet) حسب السنة القمرية اليهودية منذ أكثر من قرنين من الزمن من قبل يهود المغرب في العالم، وتصادف هذا العام ليلة الـ15 من دجنبر الجاري (ليلة الاثنين الثلاثاء).

وقبل انطلاق ليلة الهيلولة يبتدئ الموسم بوصول عائلة أحد أحفاد الحاخام “دافيد بن كوهين” إلى الضريح قبل أسبوعين من انطلاق الحفل السنوي، قصد تهيئة الأجواء، واستقبال الزوار، الذين اعتادوا المشاركة في الموسم وزيارة الضريح منذ 221 عاما، والقادمين من مختلف بقاع العالم ومن مدن المغرب.

خلال موسم الهيلولة، يتم زيارة قبر الحاخام المتوفى عام 1760 ميلادية، وبجواره المقبرة التي يعود تاريخ دفن آخر يهودي بها إلى عام 1976.

ويقع الضريح على مساحة هكتار (1000 متر مربع) به ضريح الحاخام دافيد بن باروخ هاكوهين يحيط به ما يناهز 140 جثمانا لليهود من أبناء وبنات القرية، وغرف للنوم مجهزة تسع، كل واحدة تتسع لأربعة أشخاص، ومطعم كبير”.

وليلة الهيلولة تعرف عدة طقوس دينية واحتفالية، أبرزها ليلة “الشعالة” (إشعال النار في كل مواقد الضريح بالشمع الأبيض فقط)، حيث يقوم الزوار بإشعال الشموع بكمية كبيرة، وإضاءة كل القبور وجنبات المقبرة والمسالك التي تؤدي إليها، مع تخصيص صندوق خاص بالمشاركين في الحفل الموسمي لجمع التبرعات بحسب حفيد دفين الضريح.

وخلال الافتتاح الرسمي، يتلو القداس بينحاس كوهين أحد حفدة الحاخام “دافيد بن كوهين” دفين الضريح، وباللغة العبرية عبارات “الله هو العالم على الدنيا، وليس هناك من هو أكبر من الله، الله يحفظنا، ونطلب منه أن يحفظ الميتين ويتقبلهم عنده.. الله أكبر، ليس له شبيه، وأن يحفظ العائلة الملكية .

في الاحتفال تمارس طقوس دينية تتمثل في التعبد والترحم والتبرك بروح دفين الضريح “دافيد بن باروخ’’، كما تشهد مراسيم ليلة الهيلولة، الاحتفال والدعاء والتوسل والتقرب إلى الله عن طريق هذا الولي (الحاخام)، غير أن الطريف فيها هو أن الشموع التي يشعلونها في المكان وأعواد الثقاب أيضاً تباع بمبالغ مالية باهظة اعتقاداً منهم أنها تحتوي على “بركة” أولئك الأولياء في مزاد الشموع الذي يعتبر أيضا من أهم عادات الهيلولة، حيث تعرض الشموع على الحاضرين وتتم المزايدة عليها، وعائدات هذا المزاد تعود إلى صندوق الضريح.

والمزاد على الشمعة التي ستنير ضريح الولي الصالح، وعود الثقاب الذي سيشعلها، يمكن أن يصل ثمن الشمعة 40 ألف درهم، وثمن عود الثقاب الواحد 30 ألف درهم. فمن أجل الحصول على بركة الولي، ونيل رضاه وعطاياه، يذوب بخل اليهود المعروف، ويقلعون عن العد والتريث في إخراج الدرهم من الجيب إلى أجل جد قريب.

وتنطلق مراسم الاحتفال بإيقاد ثماني شمعات بمعدل شمعة عن كل يوم قبل موعد الاحتفال في “حانوكا” (مجسم في ساحة الضريح به تسع شمعات)، أما التاسعة فتوقد ليلة الهيلولة، وفي الأخيرة توقد شمعة بيضاء كبيرة الحجم على قبر كل يهودي من القبور الـ140 الموجودة في الضريح، والتي يتم اقتناؤها من عين المكان حتى تنتقل البركة إلى جثامين أجدادهم من اليهود المدفونين بالموقع.

وثمة نوعان من الشمع يكثر الطلب عليهما في موسم الهيلولة: الأول أبيض ثمنه عشرة دراهم يحرق، والثاني ملون ويعتقد يهود المغرب أنه يجلب الرزق والبركة ويدفع البلاء ويهدى للأصدقاء والجيران، وقد يصل ثمنه إلى 200 ألف درهم أو أكثر بعد عرضه في مزاد أمام ضريح الحاخام داود بن باروخ هاك كوهي الموجود في قرية بجماعة تنزرت دائرة أولاد برحيل.

وموازاة مع إيقاد الشموع بالقرب من الضريح يستغرق الزوار في الدعاء والتبتل قبل أن يتجمعوا في الليل بقاعة مجاورة، حيث يقام حفل العشاء المصحوب بأغاني جلها من أصول مغربية، يُغنى بعضها بالعامية المغربية إلى جانب القليل من اللغة العبرية.

وتبدأ طقوس الهيلولة بالذبيحة التي يتطوع بها اليهود الزائرين، يشرف على عملية نحرها يهودي مغربي، وتختلف بحسب نوعيتها، البقرة أو الخروف يشترط فيه ذبح الودجين، أما الدجاج فليس في حكم النعائم، إذ يكفي فقط أن يقطع ودج واحد بالسكين الحاد لتكون الذبيحة المهداة للضريح جائزة، ولا يتوقف جواز الذبيحة عند هذا الحد، فأحد الحاخامات هو من يراقب سلامتها وجواز استهلاكها.

وبعد سلخ البهيمة تراقب أمعاءها وبطنها ورئتها إن كانت سليمة فجائز استهلاكها في الضريح، وإن كان بها عيب فإنها لا تصلح وفاسدة.

ويبدأ تقسيم أجزاء الذبيحة على الحضور، ولا يسمح لهم أخذ بعضها إلى بيوتهم، بل يجب استهلاكها بعين المكان.

أما عن زيارة الضريح أيام الهيلولة، فيقوم الزوار بعدة طقوس احتفالية وتعبدية، كالصلاة والغناء والرقص وإشعال الشموع وقص الشعر وتقديم ذبائح التكفير، التي تعتبر من أهم طقوس الزيارة، فيتم ذبح الأبقار والأغنام والدواجن طبقا لتعاليم الشريعة، فيقوم الجزار الشرعي «الشوحيت» بفحص القربان ليتأكد من سلامته، وبعد ذبحه يفحص أعضاءه الداخلية، فإذا رأى خلوها من كل عيب يرفع يده اليمنى معلنا عن ذلك، فترتفع أصوات الفرح والزغاريد ويبدأ الرقص والغناء.

وطقوس الهيلولة أو الزيارة تصحبها ولائم كبيرة كما تزخر بكثير من الأمور منها الصلوات وترتيل المزامير والأطعمة الوفيرة والإفراط في شرب ماء الحياة،  والخمر والرقص والغناء وإشعال نيران الفرح «شعالة» وإقامة الحفلات الفلكلورية الشعبية التي تقترب من الهرطقة. كما تكون هذه الحفلات مناسبة للإبداع الأدبي الفني سواء باللغة العبرية أو اللهجات المحلية.

هذه الاحتفالات الدينية لليهود المغاربة تبرز مدى ارتباط هذه الطائفة اليهودية ببلدهم الأصلي وحرصهم على صلة الرحم به، وبتعلقهم الكبير بأوليائهم الذين يحظون بقدر كبير من الاحترام والتقديس لديهم، كما تؤكد أيضاً التسامح الديني الكبير الذي يقابل به المغرب طائفة اليهود المغاربة.

 

الحسن شاطر