بقلم الطالب كمال محمد( طالب باحث التاريخ الجهوي للجنوب المغربي تخصص تاريخ مقاومة أيت عطا وأيت يفلمان بالجنوب الشرقي المغربي).

يأتي هذا المقال للتذكير فقط بذلك الحدث التاريخي الكبير الذي وشم الذاكرة الجماعية لقبائل الجنوب الشرقي المغربي وخاصة قبائل أيت عطا، التي خاضت مجموعة من المعارك البطولية والتاريخية منذ ولجت القوات الفرنسية مناطق نفوذهم في واحات توات وتيكورارين وصولا إلى تافيلالت ودرا ونهاية بمقاومة “أدرار ن بوﮔـافر بصاغرو” ذلك الجبل  الشامخ الذي شهد أكبر ملحمة لقبائل أيت عطا ضد المستعمر الفرنسي في الثلاثينيات من القرن الماضي.

وإذا كان لا ينتظر من المؤرخين الاستعماريين رواية الأحداث بالمنهجية العلمية نظرا لان الكثير منهم، إن لم نقل جلهم حاولا تشويه الجهاد الأمازيغي، وقدموه في صورة مغايرة لطمس الحقائق، وإخفاء ما يمس بالمجد والبطولات، فإنني بعدما أطلعت على المصادر الوطنية أصبت بخيبة أمل كبيرة، لما لم أجد ما يشفي الغليل الباحثين المعاصرين زمن الواقعة.

وهكذا يتضح أن الحاجة تدعوا إلى الاهتمام بتاريخ المقاومة التي قامت على أكتاف المستضعفين والبسطاء والرحل الذين لم يفوزوا إلا ببعض السطور هي في معظمها قدح وتشويه، وربما صنفوا في عداد” العصاة” و”الخارجين عن السنة والجماعة، وذلك قبل أن تندثر معالم هذا التاريخ وتنمحي آثار، وتتخل الأسطورة ويمتزج فيها الواقع بالخيال، فيصعب إعادة المعارك إلى المجال التاريخي.

لقد ترك لنا أجدادنا إرثا تاريخيا في غاية الأهمية يجب توثيقه وتحليله ودراسته قبل فوات الأوان وذلك حفاظا على الذاكرة الجماعية والفردية للمناطق الهامشية، ونقل هذا الإرث التراث الذي لا يقدر بثمن إلى الأجيال القادمة قبل أن تزحف رياح التغيير وأثار العولمة السلبية. وكذا حفاظا على تلك الملاحم والبطولات التي صنعها أجدادنا بدمائهم الزكية وأرواحهم الطاهرة دفاعا عن الحرية و الاستقلال وهذه الأرض.

إذ بحلول 24 مارس من كل سنة تعود بنا الذاكرة إلى 83 سنة إلى الوراء، لنتذكر ذلك الحدث التاريخي التليد و الجليل والنوعي، إنه حدث نهاية معركة بوﮔـافر الخالدة التي استمرت لمدة 3 أشهر من شتاء سنة 1933م، بداية من شهر يناير إلى غاية 24 مارس من نفس السنة تلك المعركة التي استبسل في المقاومون العطاويون ضد أقوى الجيوش الاستعمارية أنداك والتي أدق فيها المقاومون الأمرين للقوات الفرنسية رغم عدم تكافئ القوى في العدة والعتاد.

فرنسا بعدتها التي لا تقهر مع مقاومين تسلحوا بالإيمان والعزيمة والإرادة ، وفضلوا الموت بشرف وعزة بين ثنايا وشعاب بوﮔافر على الرضوخ والاستسلام بدون مقاومة، سلاحهم الإيمان بعادلة قضيتهم  رغم جبروت فرنسا وأعوانها والمرتزقة، فقد طبق المقاومون شعار ننتصر او نموت، لا رجوع لا استسلام، وقدموا حياتهم ودمائهم  قربان للأرض الأجداد والأمجاد، ولقنوا فرنسا أدق الأمرين

في مغاورهم وكهوفهم في جبل الصمود والتحدي جبل بوكافر العظيم  الذي شبه بجبل جيهول في الصين نظرا لوعورته وخطورته.

كما قلت بحلول هذه الذكرى الغالية علينا التي لا تزال في الأذهان بادية للعيان وقائمة ويتوارثها الأبناء عن الآباء لأن هذا الحدث أثر كبير في نفسية الأجيال الصاعدة.

وفي هذا الصدد أقر الجنرال جوان بميزات وخصال المجاهدين في الأطلس،” إن الإنسان المغربي في الأطلس، يعتبر أحسن محارب في إفريقيا الشمالية، ويكره كل تدخل أجنبي لأنه شجاع حتى الموت، ويعرف كيف يضحي بأملاكه وعائلاته، ويقدم حياته رخيصة من اجل حريته ” في حين يضيف الجنرال كيوم في كتابه البربر المغاربة وتهدئة الأطلس المركزي،” إن خصمنا هو أحسن محارب في شمال إفريقيا، بطبعه شديد الكراهية وبكل سهولة يضحي في سبيل الدفاع عن حريته “.

– Général Guillaume, les Berbères Marocains et la pacification de l’atlas Central, Paris 1946, p.436

وهذه هي أهم الشروط التي وقع عليها أيت عطا مع الجنرل هوري في زاوية خويا إبراهيم.

– إبعاد سلطة الـﮔـلاوي، عن مناطق نفوذ أيت عطا.

– الإبقاء على أعرافهم وعادتهم مصانة.

– عدم استدعاء انساء أيت عطا للغناء أو الرقص في الحفلات الرسمية

– إبقاء الأسلحة في يد الأهالي.

– إعفاء المقاومين من الخدمات الإجبارية والشاقةCorvés، و في أعمال السخرة.

– لا أداء الضرائب للمخزن والفرنسيين، أخدا بالموقف العطاوي المشهور” حلف دادا عطا ما يعطي معطى ولة يرجع صاغرو وطا

– الاستسلام للمخزن المغربي

لنختم حديثنا عن معركة بوﮔـافر بما قاله: القبطان سعيد كنون، في هذا الشأن: “في البداية لا يعلم الجميع أن الأمازيغي الحالي يسير على خطى أسلافه ويعشق حريته أولا ومسقط رأسه وأرض أجداده ثانيا، ولاشيء أثقل عليه من السلطة من حيثما جاءت يحاربها بشراسة إلى آخر رمق لإفلات منها وحين يكون مهددا من طرف من هو أقوى منه يفضل هجرة الأوطان والتمتع بحريته بعيدا على المكوث في قريته مذلولا وأخيرا لا يوافق على الخضوع إلا بعد التضحية بماشيته وخيمته وبندقيته من أجل حريته، ولا نبقى إلا تلك الوسيلة الأخير لإنقاذ أبنائه عن الموت دون الإلحاق العار والفضيحة بنفسه”.

القبطان سعيد ﮔـنون، الجبل الأمازيغي أيت أومالو بلاد زيان، [ترجمة وتقديم محمد بوكبوط]، منشورات زمان، الطبعة الأولى، 2015م. ص.173

وفي الأخير نود الإشارة إلى بعض التوصيات التي يجبها توجهها  إلى الجهات المسئولة والوزارة المعنية :
مطالبتنا بإعلاء الملاحم التاريخية ضد المستعمر(بوﮔافر، بادو، لهري ، أنوال…) العناية التي تستحقها في الأعلام الوطني و البرامج الدراسية .

  • مطالبتنا المستعمر الفرنسي بالاعتراف بالجرائم التي ارتكبها في معركة بوﮔافر في حق قبائل الجنوب الشرقي و جبر ضررها على الأقل معنويا
  • مطالبتنا للدولة تحمل مسؤوليتها التاريخية بخلق فرص لتنمية مستدامة في هذه المناطق و إدراجها في مشاريع التنمية البشرية.
  • جعل منطقة بوﮔافر محمية تاريخية و بيئية، و استثمارها كقطب سياحي مدر للدخل.
  • يجب العمل بمختلف الوسائل والإمكانيات الممكنة للحفاظ على ذكرتنا التاريخية ونقلها حرف بحرف، وذكرى بذكرى، وموقفا بموقف، وحدثا بحدث، إلى الأجيال القادمة، وذلك لربط ماضينا بمستقبلنا، لا أن ننسلخ من تاريخينا الماضي.
  • إعادة ترميم القصور والقصبات التي تعرضت للقصف إبان الإستعمار.
  • بناء متحف للمقاومة وجيش التحرير في منطقة بوﮔافر أو إكنيون، تنغير و أو ألنيف ودرا.
  • تعويض بعض المقاومين وعائلاتهم ماديا ومعناويا.
  • جعل ذكرى معركة بوﮔافر عيدا وطنيا.
  • إطلاق أسماء زعماء مقاومة أيت عطا على المدارس العمومية وعلى أسماء الشوارع والأزقة.

استفادة ساكنة المنطقة من الموارد الطبيعية والمعدنية التي تزخر بها سلسلة جبال الأطلس الصغير

صورة تؤرخ لتك الهدنة التي وقع عسو أوبسلام  والوفد العطاوي مع الجنرال هوري يوم 24 مارس1933م، في ذلك المكان المقدس زاوية خويا إبراهيم.