بسم الله الرحمن الرحيم  

تغمرنا الغبطة بهذا اللقاء البرلماني المتوسطي ونحن نستضيف مؤتمر الجمعية البرلمانية للاتحاد من أجل المتوسط، في دورتها الثانية عشر. ولنا تقدير خاص لكون أصدقائنا وأشقائنا في جمعيتنا البرلمانية هذه يمنحوننا شرف احتضان هذا المؤتمر على أرض المملكة المغربية، وبالأخص هنا في مدينة طنجة.

إن لطنجة رموزيتها المتعددة، ولها أسطورتها كمدينة متوسطية بامتياز، ولها أسرارها التاريخية والحضارية والثقافية والجغرافية. مدينة تطل على الساحل الأروبي ويطل عليها الساحل الأوروبي، ففي يوم صحو لا ضباب فيه يتبادل أهل طنجةالنظر مع جيرانهم الاسبان في الضفة الأخرى للمتوسط الذين تفصل بينهم مسافة مائية بطول 14 كلم. 

إن طنجة، بموقعها الجغرافي والاستراتيجي،تشعرنا جميعا في المغرب بالتفاعل الخلاق مع الزمن الأوروبي الحضاري والثقافي.

ومثل بابل أو الاسكندرية فإن لطنجة بعدها الأسطوري العميق. ففي الأوديسا، وصل أوليس إلى سواحلها : وبلغتها جيوش هرقل. ولكونها تطل على البرزخ الفاصل أو الرابط بالأحرى بين مياه البحر الأبيض المتوسط ومياه المحيط الأطلسي (ويمكنكم أن تشاهدوا هذا الملتقى بين البحرين بمجرد الوقوف عند رأس سبّارطيل، هنا في طنجة)، فقد تحدث عن طنجة عدد من البحارة المغامرين والرحالة والجغرافيين والفاتحين  عبر التاريخ. كما أنجبت المدينة طارق بن زياد الذي كان أول من عبر إلى الأندلس، والرحالة إبن بطوطة الذي ترك لنا أحد أهم كتب الرحلة حول زياراته للكثير من الجغرافيات والبلدان والآفاق.

وإلى طنجة جاء كُتَّاب ومفكرون وفنانون عالميون من مختلف البلدان المتوسطية والأوروبية والأمريكية بل ومن اليابان وأمريكا اللاتينية فكتبوا شهادات حية عن هذه المدينة.

ولم يفُتْ الكاتب العالمي الشهير خورخيلويس بورخيس أن يكتب في كتابه القصصي “أَلِفْ Alef” : “هوميروس وأنا نفترق على أبواب طنجة، ولا أعتقد أننا نتوادع”.

لقد وصل إلى طنجة الفينيقيون، والإغريق،والقرطاجينيون، والعرب المسلمون وظلوا جميعاً يعبرون عن اندهاشهم من امتداد البحر المحيط،ورأى بعضهم أن طنجة هي آخر الدنيا، وأن العالم ينتهي عند طنجة وما بعدها ليس سوى محيط لانهائي من الماء سماه العرب القدماء “بحر الظلمات” في حين أطلقوا على المتوسط    La méditerranée إسم البحر الأبيض المتوسط.

كما أن هذه المدينة ظلت تشكل بوابة أفريقيا على أوروبا وبوابة أوروبا على أفريقيا بل كانت طنجة إحدى بوابات القارة الأفريقية نحو العالم الجديد  بعد أن اكتشف كرستوف كولمبوس القارة الأمريكية.

واليوم، وحتى لا تتخلف طنجة عن مواصلة النهوض بهذه الأدوار التاريخية والحضارية والثقافية بل الاقتصادية والاجتماعية أولت الدولة المغربية اهتماماً واسعاً  لمكانة ومستقبل طنجة. ويقف صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله شخصيا على الأوراش الكبرى في طنجة والجهة متتبعاً بكيفية عملية وميدانية كافة مراحل الدراسة والإنجاز. ويمكن التأكد مما تحقق حتى الآن من بنيات تحتية كبرى، سواء تعلق الأمر بميناء طنجة المتوسط، أحد أكبر موانئ العالم، أو على مستوى الاستثمارات الصناعية والسياحية أو على مستوى بنيات النقل الجوي والبري.

إن الحديث إذن عن طنجة ومنطقتها حديث يطول، ولقد تحملت المسؤولية الأولى في هذه الجهة لعدة سنوات وأعرف ما تمثله المنطقة من قيمة في البناء الاقتصادي والاجتماعي للمملكة.

ولكن ما يهمني هنا من هذا الحديث عن طنجة أيضا هو أن أقربكم، السيدات والسادة الرؤساء المحترمين، من مدينة لم تتنازل أبداً عن هويتها المتوسطية، ودورها كصلة وصل حيوية في الربط القاري، بالمعنى الرمزي والحضاري والثقافي والاقتصادي، بين شمال القارة الأفريقية وجنوب القارة الأوروبية.

وقد سبق لي مرة أن قلت إن بعض أصدقائنا الأوروبيين، خصوصا في بلدان الشمال الأوروبي، يعتقدون أن المغرب بعيد عنهم، والحال أن وجودهم في الاتحاد الأوروبي يجعلهم – هم أيضا – جيرانا للمغرب، وتربطهم به القضايا الراهنة التي لاتخلو من أسباب القلق والانشغال. كما يربطهم بالمغرب المصير المشترك، والطموح المشترك إلى بناء مستقبل مشترك أساسه المشاريع والأفكار التنموية، والحفاظ على الفضاء الإيكولوجي السليم، وإيلاء الاعتبار الدائم واللازم للمسألة الأمنية، والتصدي لقضايا الهجرة السرية والمتاجرة بالبشر وتجارة المخدرات وترويج الأسلحة غير المشروعة والجريمة المنظمة… وما إلى ذلك.

زميلاتي زملائي،

السيدات والسادة الرؤساء،

منذ تأسيس الجمعية البرلمانية للاتحاد من أجل المتوسط سنة 2004 باسم الجمعية البرلمانية الأورومتوسطية، قبل أن يتم تغييره سنة 2010 إلى الاسم الحالي، دأبنا في المغرب البرلماني على تقوية هذا الإطار والانخراط الفعلي والفاعل في ديناميته معتبرين أنه يشكل بالنسبة إلينا ولأعضائه جميعا مكسبا لعملنا البرلماني المشترك وآلية من آليات التعاون وترجمة لإرادتنا المشتركة، تلك الإرادة التي جددنا التأكيد عليها في مؤتمر لشبونة حين تحملنا مسؤولية الرئاسة الدورية لجمعيتنا هذه، ثم في اجتماع مكتب الجمعية في فبراير 2016 بالرباط. الإرادة المشتركة في أن يتواصل حوارنا الأورومتوسطي وتتضافر جهودنا لدعم أسباب السلم والأمن والاستقرار في منطقتنا والمزيد من التعاون، والعمل في أفق تعميق وترسيخ نسقنا الديموقراطي.

إرادة مشتركة، ولكن أيضا وعي مشترك بالقضايا والتحديات المطروحة بل التهديدات الجدية التي علينا أن نواجهها والتدابير والآليات التي علينا أن نبلورها بكيفية مشتركة، وأن نجدد الحوار والتشاور بشأنها باستمرار. وما من شك في أن لنا الإحساس نفسه بهذه التحديات والمخاطر.

إن التهديد الإرهابي أصبح يواظب على الحضور على عتبات أبوابنا والتربص بطمأنينتنا جميعا. وفي كل يوم، نطرح السؤال عن هذه العملية أو تلك، في هذا البلد الأورومتوسطي أو ذاك. وكل يوم، تزداد الخطورة والوحشية ونزعة الدم الإجرامية.

ولعل الأسوأ اليوم أن الإرهاب يحاول أن يتخفى في زي ديني، ويسترخص الأرواح البريئة متحدثا أحيانا باسم الإسلام، والإسلام منه بريء، أو زاعما أحيانا أخرى التعبير باسم بلدان أو شعوب مقهورة لم تنتدب إرهابيين كي يتحدثوا باسمها أو يمثلوا ضميرها.

والأسوأ أيضا أن الإرهابيين أصبحوا يندسون بين آلاف المهاجرين واللاجئين الهاربين من جحيم الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة، مستغلين بذلك الحرص الإنساني والحقوقي والأخلاقي لدى بعض دول الاستقبال كي يعمموا نزعتهم الدموية العمياء، ويخلطوا الأوراق والمقاربات، ويفرضوا الأمر الواقع في أسوأ نماذجه. وها هي الديموقراطيات باتت مهددة بخطابات شعبوية متطرفة بخصوص قضايا الهجرة تتسع مساحات انتشارها، وتتضاعف مخاطرها على الأنظمة والمؤسسات وهويات الدول بدلا من جعل الهجرة منظمة وخلاقة ومنتجة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والحضاري.

والمؤسف، اليوم، أن بعض بلدان الجنوب، جنوب العالم وجنوب المتوسط وجنوب الساحل والصحراء، لا تواجه فقط الفقر والتطرف والانحرافات المختلفة، ولا تواجه فقط الحروب والتوترات والنزاعات المسلحة والانقلابات العسكرية وانهيار الدول، وإنما أصبحت تواجه مخاطر التصحر وزحف الرمال والتقلبات المناخية وانعكاسات التحول البيئي على مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وعلى التماسك والاستقرار، وعلى عدد من التعبيرات السوسيوثقافية التي تندرج ضمن الرأسمال الحضاري والثقافي المادي واللامادي للشعوب، وهو ما يهدد بدوره مكونات الهوية الوطنية والمحلية.

إنها ظواهر خطيرة كما نرى، وما يزيدها خطورة كونها مترابطة مع بعضها البعض. وعلينا أن ندرك فعلا أن لا أحد اليوم بمنأى عن هذه المخاطر المحدقة بنا جميعا، وبالتالي فإننا مطالبون بإدراك حجم المسؤولية التي ينبغي أن نقتسمها في المواجهة ورفع التحديات المطروحة علينا.

ما نحن في حاجة إليه حقا هو أن نبلور إرادة مشتركة لمواجهة المخاطر المشتركة، ورفع التحيات المشتركة، والتقدم معا سويا نحو مصائرنا المشتركة.

ينبغي أن نبادر مع بعضنا البعض في الاشتغال على الواقع بدلا من أن نترك الواقع يشتغل علينا. ينبغي أن نستبق استراتيجيا واقتصاديا وثقافيا وأمنيا كما بتنا نؤمن بذلك في المغرب.

صحيح أن عدداً من أصدقائنا وحلفائنا، من الملاحظين والمتتبعين، يسجلون ويؤكدون اليوم على أهمية المغرب كبلد مستقر، وكملاذ للحوار والاستثمار والعمل المثمر بل هناك من يعتبر، عن حق، أن بلادنا تشكل نوعاً من الاستثناء في فضاء محيط مهدد بالتوترات والنزاعات والانفجارات. ومع ذلك، فإن المغرب الذي أعطى نموذجاً في النجاعة الأمنية والعمل الاستباقي اليقظ يدرك مدى أهمية التعاون مع أصدقائه وأشقائه وجيرانه في رفع مختلف التحديات المطروحة.

ولطالما أسعدنا وشرفنا تنويه الأصدقاء بجهود المغرب في واجهة العمل الأمني ومواجهة الإرهاب والتطرف في كل من الفضاء المغاربي الكبير ومنطقة الساحل جنوب الصحراء التي بات الجميع يدرك أنها تشكل خلفية أمنية للفضاء المتوسطي والأورومتوسطي.

وفي هذا السياق، يلح المغرب كثيرا على أهمية بناء المغرب الكبير كأولوية استراتيجية ينبغي أن نرقى بها فوق الاعتبارات غير الموضوعية التي لا تتلاءم مع منطق عصر التكتلات وسيرورة التاريخ والبناء المستقبلي. كما ألح المغرب وبادر وعمل على المساهمة الفعلية في إنجاح تسوية موضوعية للأزمة الليبية.

وفي الأفق نفسه، نتطلع إلى أن يساهم أعضاء الجمعية البرلمانية للاتحاد من أجل المتوسط، كل من موقعه وعلى قدر ما يستطيع، في الدعوة والعمل على إعادة إطلاق مسلسل التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي، وذلك من أجل إيجاد صيغ لتسوية عادلة منصفة للقضية الفلسطينية وتحقيق مطامح الشعب الفلسطيني في بناء دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على أساس قواعد ومبادئ الشرعية والقانون الدولي.

لقد بتنا جميعاً ندرك أن غياب مثل هذا الإنصاف في الشرق الأوسط والكيل بمكيالين لدى البعض في التعامل مع القضية الفلسطينية لمما يبعد الأمل في تحقيق السلم والأمن والاستقرار في المنطقة، في الفضاء المتوسطي وفي العالم، ويواصل توفير أحد أهم أسباب التوتر والكراهية والحقد ونزعات التطرف والإرهاب.

فإذا أضفنا إلى ذلك انعكاسات ونتائج الحروب في عدد من بلدان الشرق الأوسط، وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في هذه البلدان، سندرك إلى أي حد معنى أن يستغل بؤس بعض الفئات والشرائح الاجتماعية في تغذية اليأس والعدمية والتطرف والعنف المسلح وتبني ثقافة الموت والنزعة الانتحارية.

من هنا، علينا أن نساهم في أسباب الحياة وصناعة الأمل.

إنها مسؤوليتنا – نحن أيضا – كممثلين لشعوبنا التي تستحق الحياة والحياة الكريمة.

مرةً أخرى، أجدد الترحيب بكم جميعاً في طنجة، وعلى أرض المغرب.

أرحب بكم في بلدكم الثاني، المملكة المغربية، وآمل أن تكون إقامتكم طيبة، وأن تكلل أشغال مؤتمرنا هذا بالنجاح على طريق تعزيز إرادتنا المشتركة، والمزيد من التقارب والتعاون والحوار في أفقنا المشترك.