وسط المدينة، حسان، أكدال، وغيرها من أحياء العاصمة الرباط، أصبحت تشكل مكانا ملائما لشباب في كامل قواهم العقلية والجسدية لا يجدون حرجا في “السعاية”، ومد اليد طلبا لدريهمات يقضون بها حوائجهم التي لا تعدو أن تكون بعض السجائر.

وإذا كانت مظاهر “السعاية” قد تفشت بشكل كبير في السنوات الأخيرة بالمغرب حتى أصبحنا نسمع عن شبكات منظمة تجني الأموال الطائلة من الصدقة، خاصة بالمدن الكبرى، فلا أحد ينفي أن هناك بعض الشباب ممن ساروا على الطريقة الاتكالية نفسها للحصول على المال، لكن في أوقات معينة ترتبط غالبا بمواعيد مباريات كرة القدم لشراء التذكرة، أو ما يتردد في أحيائنا من “عاونوا الفريق” لشراء بعض المستلزمات الرياضية، وهي غالبا طريقة تكون على مستوى الأحياء فقط، وجد محدوة.

“السعاية” أو “الكريساج”

“اللهم نديرو هاكا ولا نهزوا شي ربعطاش (سلاح أبيض) ونبداو نكريسيو فبنادم”، بهذه اللغة التي لا تخلو من تهديد واقتناع بأن “سعاية الشباب” شيء مشروع، تحدث خالد لهسبريس، واضعا علبة كرتونية على الأرض بها بعض الدريهمات، تاركا المجال لصديقه بأن يتكلف بمحاولة حث أكبر عدد من المارين لوضع المال بالعلبة.

“خالد” الذي تحفظ كثيرا عن كشف اسمه الشخصي ورفض ذكر اسمه العائلي، أضاف أن قلة فرص الشغل تدفع بالشباب إلى هذا النوع من الممارسات التي رفض أن يسميها “بالسعاية أو الطلبة”، بل فقط وسيلة لكسب المال إلى أن تتاح له فرصة شغل يوفر له موارد دخل قارة.

وحول ما إذا كان يعاني من مرض ما يحول دون بحثه عن عمل، بدا أنه يطرح السؤال نفسه على نفسه لكنه رد: “فين هي الخدمة.. لقيناها.. أرا ليا الخدمة”، نافيا أن يكون حاصلا على ديبلوم مهني أو شهادة تعليمية، “فقد انقطعت عن الدراسة منذ الثاني ابتدائي نظرا لظروفي العائلية، وحاولت الاشتغال في المرسى وفي المحطة الطرقية لكن لم أتوفق في ذلك”.

لحفظ القرآن!

إذا كان خالد وصديقه جعلا من وضع علبة كرطونية على الشارع العام ودعوة أكبر عدد من المارين “للمساهمة”، إذا صحت هذه التسمية، فإن شبانا آخرين اختاروا طريقة أخرى للتسول لا تحتاج من المستلزمات سوى جلبابا، ولوحة خشبية، غالبا لا شيء مكتوب عليها، كما هو الحال بالنسبة لثلاث شبان صادفتهم هسبريس وسط مدينة الرباط.

وخلال استفسار أحدهم عن الغاية من هذه الطريقة لجمع المال، قال إنهم يسعون إلى حفظ القرآن لكن إمكاناتهم لا تسمح لهم، لذلك يأتون من سيدي يحي زعير إلى الرباط للبحث عن مصروف يومي يغنيهم عن البحث عن شغل ويسمح لهم بمال يساعدهم على التركيز فقط على حفظ القرآن؛ بحيث “نأتي إلى الرباط لنجمع بعض المال من المحسنين ونعود لإكمال عملية الحفظ”.

ورغم أن حديثه لم يوح بالصدق في ما قال، خاصة عند استفساره عن المكان بالضبط الذي يحفظون به القرآن، وما إن كانوا يتوصلون ببعض المساعدات، سواء من ساكنة المدنية أو من الجهات المسؤولة، تلعثم “السيمو”، وهو الاسم الذي نطق به أحد رفاقه بعض سؤاله عن ذلك، في الإجابة قبل أن يرد بأنهم يحفظون في أماكن متفرقة قبل أن يلتقوا للاستظهار على بعضهم.

وحول ما إذا كان الأمر لا يشكل لهم أدنى حرج وهم في ريعان شبابهم وبكامل قواهم الجسدية ويمدون أيديهم للتسول، رد أحدهم: “إلا بغيتي تعطينا شي حاجة عطينيا، مبغيتيش الله يسهل على الجميع”، ليكملوا طريق البحث عن دراهم “باردة”.

وضع متأزم

إدريس أيت الحو، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاضي عياض بمراكش، اعتبر الأمر مظهرا من مظاهر اليأس لدى الشباب، “ربما كان يتجلى في مظاهر أخرى إلى أن أخد هذا الشكل المتمثل في السْعَايَة، والذي انتشر في عدة مدن غير الرباط، ما يدل على وجود أزمة اجتماعية مرتبطة بما هو سياسي واقتصادي وفكري وثقافي، يترجمه الشاب من يأس إلى تسول يدل على هويته الاجتماعية المحبطة”، لكن الخطير في الأمر، يضيف المتحدث نفسه، هو أن “يتحول هذا السلوك لدى الشباب من الهواية إلى تكوين شبكات احترافية قد تعود بعواقب وخيمة على البلد”.

تغير قيم المجتمع المغربي كان له انعكاس كذلك، يسترسل أيت الحو، “فإذا كانت نخوة الإنسان وكرامة وجوده دائما حاضرة في الثقافة المغربية، فتأثيرات الأزمة المتفشية، سواء على الصعيد الاجتماعي أو السياسي أو الثقافي، إضافة إلى أزمة الزمن، تجعل الشباب يحس بالضيق أو بالتقلص في الوقت وفي الفضاء، ولم يعد يستطع مجاراة هذا الإحساس، وبما أنه لا وجود لتكوين أو تأهيل مرتبط بمنظومة كاملة، من المؤسسات إلى البيت الأسري الداخلي، فإنه يلجأ إلى هذا السلوك”.

“وبالتالي فما أصبحنا نشاهده هو نتاج لوضع قيمي متأزم، وطبيعي أن يكون الشباب وسط هذا الوضع، مادام أنه دون وسائل فكرية أو سياسية أو ثقافية، ولا يتوفر على ما يسمى بالانفعالية العاطفية التي من شأنها أن تعطي بعض الحلول وتحول دون استفحال هذه الظواهر”، يقول أيت الحو.

عبد الرحيم الشرقاوي*

*صحافي متدرب