اخبارسوس/ بقلم محمد الذهبي
يُشاع في الآونة الأخيرة بأن رقصة أحيدوس قد فقدت كثيرا من هيبتها الشكلية والمضمونية، خاصة لدى كبار السن الذين يتبرمون من شكل أحيدوس الحالي، في طريقة أدائه، ونوعية كلماته، وعدم احترام طقوسه المصاحبة للرقصة، مروجين عبارة « أُورْيادِ اسُولْ لفْرْحْ مايْدْ كولانْ إِبْرْهُوشْنْ (أو لْقُّومْ) أحيدوسْ » أي « لم تعد هناك قيمة لأحيدوس في المناسبات بسبب تطفل الأولاد عليه »، يُسمع هذا في البيوت وفي سيارات النقل العمومي… حين يُسأل أحد الكبار إن كان سَيحضر العرس (تَمْغْرَا)؟ أو لِمَ لَمْ يَحضر؟ أو في حوارات الأشخاص عموما بخصوص الأعراس.
وبالتأمل في كلمة « إِبْرْهُوشْنْ » أو  » لْقُّومْ » فإننا نجدها ترادف ضمنيا عبارة « الجيل الجديد »، وإذا صحَّتْ هذه المقاربة، فإن ما يقوله الشيوخ والكهول هو تجسيد ضمني لصراع تقليدي بين جيلين:


ــ جيل الرواد (تجاوزا) الذي يتمسك برقصة أحيدوس بصفتها تراثا أمازيغيا يجب الحفاظ على طقوسه، ويناصرهم في ذلك كبار السن من الشيوخ والعجائز، الذين يرون فيهم مثالا يحتذى، فهم كثيرو الإعجاب بالظاهرة « لحو وييدير(سفير)، و « لحو ولحو » و « يوسف أُحْمُودْنْ » و « حميد مرغاد »، و « يوسف أوعلي »، و « محمد طالبي » و « علي مرغاد » و « محمد تهامي » و « لحسن العمري » و « أيت تُوخْسِينْ (الزعيم) » و « محمد الشَّاوش »، و « محمد حلاوي » و « محمد بَّاعْزَّى (رحمه الله) »، و « محمد موجان بَّابّاها (رحمه الله) » و « لحسن اوداود لمعطي (رحمه الله) » و « محمد لْعشير »، و « محمد موجان الابن »، وغيرهم ممن لا يفوت الكبار الحضور لمشاهدتهم والاستماع إليهم والاستمتاع بهم إذا ما ذاع خبر تواجدهم في عرس معين، كيف لا وهم ممن أخذوا عن « موحى وزايد جبار »، « لحو وحماد الوالي »، « موحى لبنادي » « احمد ليوسفي » « محمد ميدين » « محمد اولحاج وسعدن » « احمد الطماعي »…
ــ وجيل الشباب الذين يميلون بطبعهم، ولو بشكل لا واعٍ، نحو التجديد والتخلص من ربقة الطقوس التقليدية التي تثقل كاهلهم بكثير من الحشو الذي لم يَعُدْ من اللازم استحضاره، نذكر مثلا مسألة الزي الذي نجده يكاد يكون موحدا عند « الرواد »، مع ما يتميز به من أناقة تقليدية، وهو ما لا نجده في زي جيل الشباب الذي قد تتنوع فيه الألوان والأشكال، وقد نجد بينهم في الأطراف من يلبس الزي العصري.
وإذا آمنا بأن كلمة « إِبْرْهُوشْنْ » أو  » لْقُّومْ » هي في مدلولها تقارب أو تساوي مدلول « الجيل الجديد »، فإن ذلك يُلزمنا بضرورة القول إن هذا الجيل الجديد (إِبْرْهُوشْنْ) هو مستقبل رقصة أحيدوس، والضامن لاستمراريتها، خاصة أن أهم صفة لتحقيق « التجديد » متوفرة فيهم، وهي:
المعرفة، والانفتاح على الثقافات الأخرى؛ إذ نجد هذا الجيل الجديد يختلف عن الجيل القديم بمتابعته للدراسة، فنجد بذلك بين أفراد رقصة أحيدوس طلبة جامعيين، كـ « إبراهيم أوحمدي »، « عبد الرحمان وسعدن »، « إبراهيم وسعدن »، « عبد الكريم أوحمدي »، « ياسين الصابري »، ومن في طبقتهم كـ « يوسف الوزاني » و « محمد مرغادي »…
إلا أن ذلك لا يمنعنا من إبداء بعض الملاحظات بخصوص رقصة أحيدوس الحالية، ملاحظات توجيهية من شأنها ـ في نظري ـ تطوير الرقصة، وتحسين أدائها بشكل تشد به إليها الحاضرين، وتجلب الغائبين الناقمين، وتكون شكلا من الأشكال الفرجوية التي تساهم في التعريف بالمنطقة والتكثيف من عدد السياح الزائرين.
ــ أولا: ضرورة الاستفادة من جيل الرواد، خاصة في بعض الأمور التي تفقد بغيابها الرقصة هيبتها، ولونها الأمازيغي، كـ:
ضرورة الاعتناء بالزي، وتوحيده إن أمكن، أو البحث ـ في ظل التجديد ـ عن تصاميم جديدة ملائمة للرقصة، والحرص على عدم تمييع المشهد الأحيدوسي بأشخاص لا علاقة لهم به.
ضرورة إتقان الضرب على الدف (تَلُّونْتْ أو تِكْدْمْتْ)، وتوفر العدد الكافي منه لتغطية جميع أعضاء الرقصة.
التناغم في الحركة ووحدة الصف.
التفاعل مع الدف والكلمات، والتماهي والذوبان في الرقصة بما يثير جنون المشاهد، كما يفعل « لحو وييدير ».
ــ ثانيا: ضرورة مزج رقصة أحيدوس بخصائص أشكال فرجوية رائدة، وعلى رأسها المسرح، إذ على الجيل الجديد السعي وراء مَسْرَحَةِ أحيدوس، كاستحضار دور « المايسرو » كما في أحيدوس الأطلس، وإدماج الجيل الصاعد (الأطفال) في المشهد، واعتماد رقصات رباعية الأطراف من وقت لآخر، والقيام والقعود كما في أحيدوس « أيت مرغاد » (حَيْفَا)، وغير ذلك مما سيزيد من حماسة الجمهور، وتفاعله، وحرصه على عدم تفويت المَشاهد الأحيدوسية.
وتجدر الإشارة إلى أن بوادر هذا المزج بدأت تلوح من بعض الشباب، من ذلك ما رأيته من « محمد المشكوري » وما سمعته عن بعض أعضاء فرقة شباب « أيت ييدير ».
ــ ثالثا: ضرورة الاعتناء باختيار الكلمات، وإعادة التدفق للمجاز والكناية والاستعارة الأمازيغية التي تجعلنا نتنسم عبير جمالية ما نسمعه من أشعار أحيدوسية (لْمْسَاقْ)، وتجنبنا الضجر والملل الذي قد يسيطر على المشاهد، خاصة العجائز والمتزوجات اللاتي لا يحملهن على المكوث في العرس إلا رغبة بناتهن في البقاء، أو خوفهن على حفيداتهن، لذا لا نراهن إلا مراقبات، أو مطأطآت للرؤوس بفعل الإرهاق والنوم.
ــ رابعا: دعوة الشباب إلى التجرد من الذاتية، ومحاولة الاستفادة من أطراف أخرى لهم علاقة بالشعر الأمازيغي (تِمْنادِينْ، تِمَوَايينْ، تِكُورِيوِينْ، لْمْسَاقْ) لحفظ التراث، كما نجد عند « الحاج سعيد عاشور »، « احمد الطماعي » أو لتجديد هذا التراث الشعري، كما نجد عند « المصطفى خاعلي »…
ــ خامسا: ضرورة إشراك المرأة في عملية الفرجة الأحيدوسية، ليس فقط بقيامها لأداء الرقصة وترديد المقطع الأول من الشعر (لْمْسَاقْ) كما هو حالها اليوم، وإنما بإعطائها الدور نفسه الذي استأثر به الرجل منذ عقود؛ بحيث يمكنها إعداد الشعر بنفسها للتعبير عن ذاتها، وتوظيف هذا الشعر في أحيدوس لتتبادل بذلك الأدوار فيصبح الرجل مرددا للمقطع الأول مستمعا، والمرأةُ معبرةً عن طموحات وآمال وآلام النساء، ونظرتهن للآخر، خاصة أن المرأة الدادسية أصبحت بدورها تنافس في متابعة الدراسة، وتمتلك جميع آليات الإبداع، مما يصبح معه التغاضي عن دورها وإقصائها من تجديد الرقصة نوعا من الانحياز للذات، وتكريسا لمفهوم المجتمع الذكوري، وهم ما يتنافى مع ماهية التطوير والتجديد اللذين يتبناهما الجيل الجديد.
انطلاقا مما تمت الإشارة إليه نخلص إلى التأكيد على أن جيل الشباب هو مستقبل رقصة أحيدوس، وأن وصفهم بـ « إبرهوشن أو لقُّومْ » ليس قدحيا بقدر ما هو استثارة للهمة والعزيمة لتحمل المسؤولية، وتحسين الأداء، والدفع بالرقصة نحو التطور، ومواكبة التغيرات السوسيولوجية والسيكولوجية والثقافية والاقتصادية التي يعرفها العالم بشكل عام، ومنطقة دادس بشكل خاص.
كما نخلص إلى التأكيد على ضرورة احترام جيل « الرواد »، الذين أدوا دورهم في الحفاظ على رقصة أحيدوس، ورفعوا مشعل التحدي وما يزالون في التمسك بالهوية الأمازيغية، فوقفة إعجاب وتقدير منا إليهم، ودعوة توفيق وسداد للجيل الجديد والصاعد.
.
المصادر: ـ المعاينة المباشرة ـ المعاينة عبر تسجيلات الفيديو ـ تودة الصابري ـ ياسين الصابري