أصبح ضروريا مساءلة الأحزاب السياسية المغربية، عن أصل وجودها وجدوى بقائها في هذا الظرف الصعب الذي تمر منه بلادنا. يسير الوطن نحو تحكم خطير لحزب السلطة الدينية، أي العدالة والتنمية، وباقي الأحزاب تقف متفرجة على الانتهاك الصارخ للتاريخ والهوية وللديمقراطية، وأغلبها يكتفي بانتظار الفوز الثاني للحزب الإسلامي، ومنهم من يعرض خدماته على هذا التجمع الديني، الشبيه في تركيبته وإيديولوجيته بالتنظيمات الديكتاتورية التي حكمت بالدم والنار، طمعا في وزارة أو حتى نصف وزارة ملحقة أو منتدبة.

ما هو إذن دور الأحزاب السياسية وما الهدف من وجودها، ولماذا تصرف عليها الدولة الأموال الطائلة من الدعم العمومي؟ لقد حرص المشرع على منح الأحزاب السياسية مكانة عليا في الدستور، وأكد على ضرورة منحها كافة الإمكانيات بما فيها المالية من أجل أداء دورها. لكن هل تستحق درهما واحدا إذا تحولت إلى دكاكين وتخلت عن وظيفتها في تأطير المجتمع؟

لقد قدمت الأحزاب استقالتها، مكتفية بمنح التزكيات، في انتظار “الرابح” كي يلتحقوا به عل وعسى يمنحهم فتات الوزارات، لقد تعودنا أن الشعب هو من يعزف عن الترشح والتصويت، لكن وصل بنا الزمن التعيس الى أن يقاطع أمناء الأحزاب المنافسة للبيجيدي جميعا الحدث الإنتخابي، لقد انتقلت العدوى إلى النخب السياسية، التي أوكل لها الدستور توعية المواطنين وإخراجهم من حالة الانتظار والترقب إلى الفاعلية.

منطق غريب تتعامل به الأحزاب السياسية، وحتى التاريخية وذات الامتداد المجتمعي، مع المشهد السياسي، حيث سلم زعماء التشكيلات السياسية مفاتيح البلد إلى عبد الإله بنكيران وحزبه قصد السيطرة التامة على المشهد السياسي، فأصبحنا أمام اللاعب الواحد، الذي يدخل الحلبة لوحده، يرفع التحدي ولا أحد بمقدوره منازلته، لقد هرب الزعماء السياسيون من المباراة، ولم يترشح ولا أحد منهم خوفا من مواجهة جمهور الناخبين.

لا يعقل أن يفر زعيم الحزب من المبارزة ويترك لأتباعه حسم المعركة، بل عليه أن يكون نموذجهم، وهو من ينبغي أن يدافع عن برنامج الحزب وعن مناضليه، ولكن خوفا من المواجهة، وحتى لا يزعج الزعيم الإسلامي الأوحد، الذي يقد يجود عليه بوزارة أو وزارتين فضل الانسحاب بجلده، ولأول مرة في تاريخ المغرب نشاهد فرار زعماء الأحزاب السياسية “كحمير مستنفرة” هاربة من الأسد “الكارتوني”، لكن بجبنها ستصنع منه البطل المغوار.

ورحم الله زمنا لم يكن زعماء الأحزاب السياسية يهابون النزال، ففي عز ما يسمى سنوات الرصاص كان ينزل للانتخابات عبد الرحيم بوعبيد وامحمد بوستة ومحمد بنسعيد ايت إيدر وعلي يعطة، ولم ينقص شيء من بوعبيد عندما انهزم في أكادير، وظل مستعصما بالنضال الجماهيري الديمقراطي، ولم يهابوا أي قوة كيفما كانت، فما بالهم اليوم يرتعدون من الزعيم الإسلامي، الذي كان يخاف من مقدم الحومة، يوم كانوا هم يواجهون الدولة بمؤسساتها ويذهبون للسجون؟

هل أصبح بنكيران مرعبا لهذه الدرجة وهو الذي كان يتمنى لقاء مع أي زعيم سياسي؟ ألهذه الدرجة تعاني الأحزاب السياسية المغربية من الجبن والخوف وحب النفس؟ هل تحول الحزب الإسلامي إلى ورقة الوصول إلى الوزارة ولهذا أغلب الأحزاب تنتظر فوزه للمناداة عليها لتشكيل الأغلبية؟

ومن مبكيات الزمن السياسي، الذي وصل الدرجة الصفر من الانحطاط، أن أمين عام حزب سياسي، يعتبر الممثل القانوني لحزبه، وهو من وقع التزكيات، ومفروض فيه أن يدعم مرشحيه ويلقي خطابات في مجموعة من المدن، ذهب صاغرا حانيا رأسه طالبا من بنكيران ترشيحه وكيلا للائحة المصباح بالحسيمة، ضاربا عرض الحائط باختلاف المرجعيات، حيث الرجل علماني وينتمي لليسار وسيدافع عن حزب أصولي، وكل ذلك طمعا في وزارة لم ينلها في السابق وظلت هي طموحه.

ليس بنكيران قويا بل إن الجبن والخوف والضعف الذي إبتلي به المشهد السياسي المغربي هو من جعله بعنترياته يهزم الذين قلبوهم فارغة على عروشها….

إن تخلي الأمناء العامين للأحزاب السياسية عن وظيفتهم في الترشح فعل خطير يعتبر خيانة للوطن رغم أنه يدخل في قاموس جديد عنوانه ” الله ينصر من صبح” و”نحن مع الغالبة”، وضربا قويا لمبدأ التناوب السياسي، الذي يقتضي أحزاب حاكمة ببرامج وأخرى معارضة. خيانة للوطن لأنها تساهم في انتهاك الديمقراطية وميلاد الحزب الوحيد الذي يتحكم في الرقاب والعباد عن طريق السلطة الدينية وعن طريق الوزارات والإدارات والبلديات.

إن استقالة الأحزاب السياسية من مهامها التي أوكلها الدستور يعني العودة بالبلاد إلى عهد الحزب الوحيد، الذي ناضل المغاربة منذ بداية الاستقلال ضد وجوده، حيث تختزن الذاكرة المغربية زمنا هيمن فيه حزب الاستقلال على مفاصل الدولة، واستغل وجود إدريس المحمدي على رأس وزارة الداخلية لممارسة الاعتقال والقتل ضد خصومه السياسيين خصوصا من منظمة الهلال الأسود المرتبطة بالحزب الشيوعي وضد مناضلي حزب الشورى والاستقلال، وما زالت دار بريشة مجزرة سوق الأربعاء الغرب ضد الشوريين شاهدة على مآسي الحزب الوحيد.

ومن مكر التاريخ أن القتلة في مجرزة سوق الأربعاء كانوا ينادون “اقتلوا اليهود” كناية على الشوريين، والحزب الذي يستعمل السلطة الدينية يستعد للقتل تحت عناوين دينية أيضا، والشعب اليوم هو الذي يستطيع مواجهة هذا المد البربري في غياب أدوات الدفاع الشعبي التي هي الأحزاب السياسية المستقلة.

إنسحاب أمناء الأحزاب من الترشح للإنتخابات النيابية المقبلة، يعطي الإنطباع أن المشهد السياسي المغربي برمته يدعم التجربة الإسلامية، وهذا غير صحيح… فقط خوفهم وجبنهم المبالغ فيه جعلنا نسقط جميعا في الفخ…. وبالتالي يقدم هؤلاء للحزب الحاكم اليوم هدية ثمينة لن ترون كوارثها سوى بعد أن يتربع عليكم مرة ثانية ولخمس سنوات أخرى.

بوحدو التودغي