دافن المشاهير.. العم مراد يسرد قصة حفره قبر “حبيبته” وردة الجزائرية

200

“لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت بانيها”، يتبنى حافر القبور الجزائري العم مراد الأبيات من قصيدة علي بن أبي طالب فيرى أنه يبني آخر محطات الإنسان التي يتساوى فيها الغني والفقير، وصاحب النفوذ مع المتشرد، والمستبد والرعية.
العم مراد قضى ربع قرن من حياته بين المقابر في الجزائر العاصمة، ويرفض أن يغير مهنته وهو يراها هدية القدر التي ساقها إليه، يتفانى حد الإتقان في عمل يخاله البعض مريبا، في حين يراه مراد متعة لا يدركها إلا من يفهم فلسفته.

يقضي يومه بين الأموات 14 ساعة عمل يوميا، مهمته الرئيسية تجهيز قبور لمجهولين.

ويملك مراد فلسفة مختلفة عن الحياة والموت ومفهوميهما، يجسد هذا الشخص التناقضات، ويرى أنه أكثر الناس فهما لمعنى السعادة، وأن العيش الحقيقي هو ليس في المكان أو الزمان وإنما هو تلك الحالة النفسية التي نشعر بها “بغض النظر أين نحن.. ومع من ؟”.

أشهر مشاهد أفلام الرعب
يستغرب العم مراد ممن يخاف المقابر، يستغرب من تصوير أفلام الرعب لمشاهد ليلية سينمائية مريبة بين الأموات، فيقول “قضيت ليالي وحيدا في المدافن ولا يوجد شعور بالأمان يضاهي أن تتوسد يقينك وأن تنام بمحاذاتهم، لأنهم مجرد جثث بلا روح.. ويستحيل أن تؤذيك جثة لأن الروح هي من تؤذي وهي من تداوي..”.

يحاول حافر القبور أن يثبت نظريته الرامية إلى أن الإنسان لم يتصالح مع حتمية الموت على الرغم من أنها حق، ويؤكد أن قلبه لا يزال نابضا بالحب والسعادة والفرح دون أن ينسى أن له قبرا في مكان ما وسيكون ساري المفعول في التاريخ الذي تسقط ورقته من شجرة الحياة.

وينفي مراد ما يتهمه البعض به من تشاؤم وبامتهانه “مهنة الحزن والدموع”، فيقول إنه لا يعرف قيمة الشيء إلا من جرب فقدانه أو فقده، ويشير إلى أنه جرب فقدان الحياة مع كل قبر كان يجهزه لمجهول، يمارس هذا الكهل وهو في عقده السادس كل طقوس التأمل ليفهم الحياة.

صة الألفي جثة
تسكن في ذهن مراد ذاكرة جماعية لوطن مر بعديد المحن خلال الـ25 سنة الماضية، يسرد مهندس “البيوت الأخيرة” -كما يحب أن يسمي نفسه- الآلام التي كابدها خلال المآسي التي عاشتها بلاده طوال فترة عمله.

ولا ينسى مراد وجع منظر جموع الجثث التي اصطفت على مد البصر في مقبرة “العاليا” بالجزائر العاصمة بعد الزلزال الكارثة الذي ضرب منطقة بومرداس (50 كلم عن العاصمة) الذي راح ضحيته ما يقارب 2500 شخص، ويقول إنه غسل تلك الجثث بدموعه.

لم يكن يوم 21 مايو/أيار 2003 حزينا فحسب بالنسبة للعم مراد والجزائريين، حيث اهتزت الأرض بشدة 6.8 درجات على سلم ريختر لتبتلع وتردم الأرواح دون رحمة فكانت أخت العم وابنتها من ضحايا الكارثة.

ويقول مراد “لم يكن لدي وقت للحزن على أختي وابنتها وقتها، واللاتي أخرجتهن من تحت الأنقاض لأسارع نحو المقبرة وأكمل تطوعي لأن المحنة لم تكن بالعادية، ركنت مشاعري وآلامي جانبا وشمرت عن ساعدي لأخدم الإنسان”.

هز زلزال بومرداس مشاعر الجزائريين بشدة أكبر من تلك التي حرك بها الأرض، مأساة يتذكرها العم مراد وهو يذرف الدموع كأن الحدث كان بالأمس وكأن العقد والنصف لم يمرا بعد عن الكارثة.

كما لا ينسى مئات الجثث التي حملتها أكتافه في السبت الأسود بفيضانات باب الوادي في العاصمة سنة 2001.

الحرص على مقابر غير المسلمين
يفهم مراد العمل التطوعي بعيدا عن النظريات الحديثة التي تطلقها الأصوات من هنا وهناك، يخدم مجتمعه بتفان دون انتظار مقابل، يفتخر بأنه أنجب بنات وحرص على أن يكن متعلمات مفتخرات بما قدمه والدهن.

يقول العم مراد “كيف أهتم بتفاصيل ماضي جثة تحت الأرض، كيف أتعامل مع قبور على أساس عقلية الانتقام من خياراتها الدينية أو المجتمعية، هل من الإنسانية أن أنتقم من قبر لأن صاحبه يخالف خياري الديني؟”.

ويشير العم مراد إلى أن ما تعلمه من عمله ما كان ليتعلمه في أكبر وأرقى الجامعات بالعالم “كأن يتعامل مع الإنسان دون محاولة معرفة خلفيته الدينية أو العرقية، جعل الأموات من حافر القبور إنسانا متفتحا على الآخر يدرك قيمة الإنسان”.

قبر وردة الجزائرية
مرت على فأس العم مراد قصص النهايات لمشاهير وأصحاب النفوذ في بلاده فيكاد لا يتوقف وهو يسرد مع كل تجربة مرت بها أسماء منها من صنع التاريخ الجزائري.

ما زال يتذكر مراد رنة الهاتف التي وصلته حال عودته من المقبرة نحو بيته، ففي نهاية يومه رن هاتفه ليطلب منه العودة إلى “العاليا” لحفر قبر الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، فعمل فيه إلى منتصف الليل.
مر على فأس العم مراد آخر بيوت الدنيا لكل من الراحل علي كافي الرئيس الجزائري الأسبق، والجنرال العربي بلخير، وغيرهم من الأسماء.

حافر القبور الذي يعيش حياة مختلفة، الرجل البسيط الذي يبحث عن الثقافة والعلم يجلس في خلوته وسط القبور، يحمل كتابا ليطالع، فيقرأ كتبا لا يجيد حملها أيا كان، يتحدث عن عناوين في الفكر والفلسفة، ولا يفارقه كتاب القرآن.

يأخذ نفسا طويلا وهو يرد على سؤال الجزيرة نت عن أكثر المشاهير الذين أثر رحيلهم عليه، فيقول “وردة الجزائرية لأن لي قصة مع هذه السيدة التي كنت مولعا بفنها الراقي”.

يقول مراد عن الراحلة وردة” أتذكر أنه تم ضربي من قبل رجال الأمن في بدايات الثمانينيات أمام قاعة الأطلس وأنا أتدافع مع عشاق الفنانة لشراء تذكرة والدخول لحفلها الذي نظمته آنذاك، كان عمري وقتها لا يتجاوز العشرين”.

بابتسامة يخفي بها تأثر رجل بفراق محبوبته، فيقول “طلبوا مني حفر قبر الفنانة وردة الجزائرية، حملت الفأس وكنت أغرسها في قلبي قبل أن أهشم بها الصخر الذي كان منزلها الأخير في الدنيا، هكذا هي الأقدار وهكذا علمني الموت أن الحياة على جمالها زائلة”.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.