عيد العرش.. كيف قادت الرؤية الملكية قضية الصحراء إلى مرحلة الاعتراف الدولي وترسيخ السيادة؟

مع حلول الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، تتصدر قضية الصحراء المغربية واجهة أبرز المنجزات الدبلوماسية التي تحققت في عهد الملك محمد السادس، بعدما انتقلت من مرحلة الدفاع عن الوحدة الترابية داخل المحافل الدولية إلى مرحلة ترسيخ الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، مدعومة بتحولات سياسية ودبلوماسية عميقة، تزامنت مع إطلاق مشاريع تنموية كبرى بالأقاليم الجنوبية، وهو ما أعاد رسم موازين هذا الملف لصالح المملكة.
ولم يكن هذا التحول نتيجة ظرف دولي عابر أو مواقف سياسية مؤقتة، بل جاء ثمرة رؤية استراتيجية متكاملة اعتمدها المغرب على امتداد سنوات منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، جمعت بين التحرك الدبلوماسي النشط، وتعزيز الشراكات الاقتصادية، وإطلاق مشاريع تنموية كبرى بالأقاليم الجنوبية، إلى جانب ترسيخ الحضور المغربي داخل محيطه الإفريقي والدولي، وهي مقاربة جعلت عددا متزايدا من الدول يعيد تقييم مواقفه من هذا النزاع المفتعل، في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة والعالم.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد شقير، الخبير في العلاقات السياسية، أن هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، وإنما جاء نتيجة رؤية استراتيجية متكاملة قادها الملك محمد السادس، موضحا أن من أبرز محطاتها قرار المغرب العودة إلى الاتحاد الإفريقي، وإنهاء سياسة “الكرسي الفارغ”، التي استغلها خصوم المملكة لسنوات من أجل نشر أطروحاتهم داخل المنظمة القارية، مضيفا أن الزيارات الملكية إلى عدد من الدول الإفريقية، بما فيها دول شرق إفريقيا، ساهمت في بناء شراكات قائمة على المصالح المتبادلة، بعدما أصبحت القضية الوطنية تشكل محددا أساسيا في علاقات المغرب مع شركائه.
وأوضح شقير في تصريحه له، أن هذه المقاربة امتدت أيضا إلى الشركاء الأوروبيين، حيث دخل المغرب، وفق تعبيره، في “رهان قوة” مع عدد من الدول المؤثرة، من بينها فرنسا وإسبانيا وألمانيا وهولندا، قبل أن تنتهي هذه المرحلة بتبني مواقف أكثر وضوحا في دعم مغربية الصحراء، خاصة بعد الاعتراف الأمريكي بسيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية، وهو ما منح الدبلوماسية المغربية زخما إضافيا في الدفاع عن وحدتها الترابية داخل مختلف المحافل الدولية.
وأشار الخبير إلى أن المغرب لم يكتف بالتحرك السياسي، بل جعل من التنمية الاقتصادية ركيزة أساسية لترسيخ سيادته، مبرزا أن احتضان المملكة لكأس العالم وما يرتبط به من أوراش كبرى وفرص استثمارية، دفع عددا من الدول إلى تعزيز حضورها الاقتصادي بالمغرب، بالتوازي مع مراجعة مواقفها من قضية الصحراء، لاسيما في ظل الاستقرار الذي تعرفه الأقاليم الجنوبية والمشاريع التنموية الكبرى التي تحتضنها، وعلى رأسها ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يرتقب أن يشكل منصة استراتيجية لربط دول الساحل بالأسواق الأوروبية والأمريكية.
وأضاف شقير أن مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي يمثل بدوره أحد أبرز الأوراش التي عززت البعد الاقتصادي للقضية الوطنية، باعتباره مشروعا عابرا للقارات سيستفيد منه أكثر من إحدى عشرة دولة إفريقية، كما سيساهم في تعزيز الأمن الطاقي الأوروبي، خاصة في ظل التحولات التي تعرفها أسواق الطاقة العالمية، والاضطرابات التي شهدتها حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، مؤكدا أن هذه المشاريع جعلت الأقاليم الجنوبية تتحول إلى فضاء اقتصادي واستراتيجي يرسخ مكانة المغرب كشريك إقليمي موثوق.
وخلص الخبير إلى أن ما تحقق خلال سبعة وعشرين عاما من حكم الملك محمد السادس يؤكد أن قضية الصحراء لم تعد تدار بمنطق الرد على خصوم المملكة، بل أصبحت ترتكز على رؤية شاملة تجمع بين الدبلوماسية الفاعلة، والتنمية الاقتصادية، والشراكات الدولية، وهو ما أسهم في تحويل هذا الملف من قضية سياسية إلى نموذج تنموي يحظى بدعم دولي متزايد، ويكرس مكانة المغرب كقوة إقليمية قادرة على توظيف التنمية في خدمة وحدته الترابية.

