بعد 52 سنة من الصراع.. هل آن الأوان لمراجعة مشروع البوليساريو المهترئ والقبول بالحكم الذاتي؟

اخبارسوس/متابعة
23غشت2026
بعد أكثر من خمسة عقود من الصراع، يفرض الواقع السياسي والإنساني فتح نقاش عميق وجريء حول حصيلة المشروع الذي قادته جبهة البوليساريو منذ سبعينيات القرن الماضي. فبعد 52 سنة من الشعارات والتعبئة والحروب والمفاوضات والانتظار الطويل، لم يعد منطق التقديس قادرا على إسكات الأسئلة التي تطرحها الأجيال الجديدة، ولا الخطابات الجاهزة قادرة على تجاوز حجم التحولات التي عرفتها القضية. اليوم، تبدو الحاجة ملحة إلى تقييم صريح لما تحقق وما لم يتحقق، بعيدا عن العاطفة، وقريبا من الواقع الذي تغيرت فيه موازين القوى والمعطيات الإقليمية والدولية بشكل كبير.
وتتقدم مسألة الشرعية السياسية إلى صدارة هذه الأسئلة، باعتبارها إحدى القضايا التي تحتاج إلى نقاش شفاف داخل المشروع نفسه. فاستمرار آليات تنظيمية وسياسية تعود إلى مراحل سابقة يطرح تساؤلات حول مدى قدرتها اليوم على مواكبة تطلعات الصحراويين ومتطلبات المشاركة الواسعة في صناعة القرار. ويرى منتقدون أن اختزال مصير عشرات الآلاف من الأشخاص في مؤتمرات محدودة زمنيا وعدديا لم يعد كافيا لإضفاء الشرعية السياسية الدائمة. لذلك، تبدو الحاجة قائمة إلى تجديد المؤسسات وتوسيع دائرة المشاركة وترسيخ آليات الديمقراطية والشفافية والمساءلة.
وتكشف حصيلة أكثر من نصف قرن أن الزمن السياسي لا يمكن أن يبقى معلقا إلى ما لا نهاية دون نتائج ملموسة. فمنذ اندلاع المواجهة المسلحة وما تلاها من وقف لإطلاق النار سنة 1991، ظل النزاع يدور في حلقات متشابهة، بينما تغير العالم من حوله بشكل متسارع. ومع مرور السنوات، تغيرت الأولويات الدولية وتبدلت التحالفات، وأصبحت الحلول الواقعية والتوافقية تحظى بمكانة أكبر في تدبير النزاعات المعقدة. لذلك، فإن الاستمرار بنفس الأدوات والرؤية القديمة، دون مراجعة عميقة، قد يتحول من خيار سياسي إلى عبء على مستقبل الأجيال.
ولم يعد ممكنا تجاوز سؤال الحصيلة بمجرد ترديد أن الثورات تقاس بالإنجازات لا بعدد السنوات، لأن مرور 52 سنة يفرض بدوره لغة الأرقام والنتائج. فما هي المكاسب السياسية التي تحققت؟ وما حجم التحول الذي عرفته حياة السكان بمخيمات تندوف؟ وهل استطاع المشروع أن يقدم أفقا واضحا للأجيال التي ولدت ونشأت داخل أرض لحمادة القاحلة؟ إنها أسئلة مشروعة لا ينبغي مواجهتها بالتخوين أو التخويف، بل بالنقاش الهادئ والمسؤول. فالمشاريع السياسية الكبرى تكتسب قوتها من قدرتها على النقد الذاتي، لا من الهروب الدائم إلى الماضي.
كما تفرض الأوضاع الاجتماعية والإنسانية داخل المخيمات نفسها بقوة في أي تقييم موضوعي للمشهد. فهناك أجيال كاملة عاشت في ظروف صعبة، وتواجه تحديات يومية مرتبطة بالعيش والخدمات وفرص المستقبل، في وقت زادت فيه التقلبات المناخية من قسوة الحياة وهشاشة الواقع. وبين انتظار الحل السياسي وتراجع الأمل في أفق قريب، يصبح السؤال الإنساني أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. فمستقبل الإنسان الصحراوي يجب أن يكون في صلب أي مشروع سياسي واقعي يجمع شمل الصحراويين داخل وطن واحد، بعيدا عن تحويل المعاناة إلى حالة دائمة أو ورقة تستمر لعقود.
وفي مقابل ذلك، يعيش عدد كبير من الصحراويين في مدن الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية واقعاً مختلفا، يتسم بالأمن والاستقرار والانخراط في تدبير شؤونهم اليومية والسياسية والاقتصادية. وهو واقع لا يمكن تجاهله عند الحديث عن مستقبل المنطقة، لأن آلاف الأسر اختارت الاستقرار داخل مدنها والمساهمة في تنميتها. وبينما تتطور المدن والبنيات والخدمات وتفتح آفاق جديدة أمام الشباب، يصبح من المشروع التساؤل عن جدوى استمرار الرهان على مشروع لم يعد قادرا، في نظر منتقديه، على تقديم البديل العملي الذي يضمن الاستقرار والكرامة والعيش المشترك.
إن النقد الحقيقي لمشروع البوليساريو المتصدع لا يعني بالضرورة الدعوة إلى هدم كل ما راكمه أو التنكر لتاريخ طويل من الصراع، وإنما يعني البحث عن الشجاعة اللازمة للمراجعة. فالمراجعة ليست خيانة، والنقد ليس هدما، والاعتراف بتغير الواقع لا يعني الاستسلام، بل قد يكون بداية لمرحلة أكثر نضجا ومسؤولية. إن إعادة بناء الرؤية السياسية تتطلب تجاوز تقديس الأشخاص، والابتعاد عن الارتهان لقيادة بعينها، وفتح المجال أمام أصوات جديدة قادرة على التفكير بمنطق المستقبل بدل البقاء أسرى لمنطق الأمس.
ومن هذا المنطلق، يبرز مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره، في نظر عدد متزايد من الدول العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، أحد أكثر الحلول واقعية وجدية لإنهاء هذا النزاع المفتعل. فهو يفتح الباب أمام الصحراويين لتدبير شؤونهم المحلية داخل مؤسسات منتخبة، ويجمع بين الحفاظ على الخصوصية المحلية ووحدة الدولة والاستقرار الإقليمي. كما يوفر أرضية عملية للمصالحة ولم شمل العائلات، وعودة الصحراويين من المخيمات ومن مختلف دول المهجر إلى وطنهم، حيث يمكنهم أن يكونوا مسيرين ومدبرين لشؤونهم في إطار مشروع سياسي واضح وقابل للتطبيق.
بعد 52 سنة، قد يكون السؤال الحقيقي لم يعد كيف يستمر الصراع، بل كيف ينتهي بطريقة تحفظ الكرامة وتعيد الأمل وتضع الإنسان الصحراوي في قلب الحل. فالحكم الذاتي الحقيقي يمثل فرصة لتجاوز عقود الانتظار، وطي صفحة الانقسام، وجمع شتات الصحراويين بين المدن والمخيمات ودول المهجر. لقد استنفد النزاع الكثير من الزمن والطاقات والأحلام، وأصبح من الضروري الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق صناعة المستقبل. وبين مشروع مهترئ أنهكته السنوات وحل واقعي يفتح أبواب الاستقرار، يبدو أن التاريخ يفرض اليوم شجاعة القرار قبل أن يستنفد ما تبقى من الأمل.
الحافظ ملعين _ العيون


