الحسين ناصري.. عقود من الترافع الصحفي الملتزم في عمق اشتوكة آيت باها

لم تكن الصحافة بالنسبة للصحفي الحسين ناصري يوماً مجرد تغطيات عابرة للأحداث أو نقلاً جامداً للأخبار، بل شكلت على الدوام أداة ترافعية واعية ورسالة نبيلة تنحاز لمطالب الشارع وقضايا الساكنة بإقليم اشتوكة آيت باها. فمنذ عقود، ظل قلمه ومواكبه الميداني يسلط الضوء على أعقد الملفات التنموية والاجتماعية والبيئية بالإقليم، مؤكداً أن الإعلام الجاد قادر على صناعة الأثر وتحريك المياه الركودة دفعاً نحو التغيير الإيجابي.

وقد ظل ناصري حريصاً على إبراز القضايا الكبرى التي تمس القيمة السياحية والبيئية للإقليم؛ إذ كان من أول المثيرين لملف منطقتي “تيفنيت” و”سيدي الطوال” السياحيتين، متطرقاً للمؤهلات الطبيعية الاستثنائية التي تزخر بها هاتان المنطقتان، وداعياً إلى ضرورة بلورة رؤية تنموية شاملة تحفظ جماليتهما وتصون الحقوق الاجتماعية والسياحية بالمنطقة. ولم تقف الشجاعة الصحفية للحسين ناصري عند حدود الملفات التنموية، بل امتدت لتشهد على بصمته الميدانية في معالجة الإشكاليات البيئية المؤرقة، حيث تبنى قاطرة الترافع ضد قضية مطرح النفايات بجماعة أيت عميرة، وهو النقطة السوداء التي عانت منها الساكنة لسنوات طويلة. ومن خلال مقالات متتالية ومتوازنة، أثار ناصري حجم الأضرار البيئية والصحية الناجمة عن هذا المطرح، مما شكل ضغطاً إعلامياً إيجابياً توج بتدخل حاسم من قبل الجهات المعنية والإقليمية، وأسفر في النهاية عن إزالة ذلك المطرح ونقل أضراره عن الساكنة، في إنجاز صحفي يترجم قوة الكلمة عندما تتسلح بالحق والمصداقية.

وفي القطاع الصحي والإنساني، تقاطعت مقالات ناصري مراراً مع أنات المواطنين ومعاناتهم اليومية، إذ تطرق في غير ما مرة إلى معضلة انعدام سيارات الإسعاف وسيارات نقل الأموات بعدد من الجماعات التابعة للإقليم، شارحاً كيف يتضاعف ألم المرضى وعائلاتهم أثناء الحالات الحرجة. هذه المتابعة الحثيثة لم تقف عند حد تشخيص العجز، بل شكّلت منبراً لإيصال صوت العالم القروي والمناطق الهامشية إلى مراكز القرار. ولم تتأخر الاستجابة، إذ أسفرت تلك التغطيات والمقالات المتواصلة عن تفاعل السلطات والقطاعات المعنية عبر تزويد الإقليم بالعدد الكافي من سيارات الإسعاف ونقل الأموات، مما ساهم في تخفيف الضغط على المنظومة الصحية الإقليمية وتلبية تطلعات الساكنة.

ولم يكن ملف بورصة الخضر والبواكر باشتوكة آيت باها وليد اللحظة، ولا قضية ظهرت فجأة مع إعلان عامل الإقليم عن إعادة فتح الملف والبحث عن السبل الكفيلة بإخراج المشروع من حالة التعثر. فهذا المشروع الذي ارتبط منذ تسعينيات القرن الماضي بآمال كبيرة في جعل اشتوكة آيت باها قطباً لتسويق المنتجات الفلاحية، ظل لسنوات طويلة واحداً من أكثر الملفات إثارة للجدل بالمنطقة، وهو الملف الذي ظل الصحفي الحسين ناصري يتابعه منذ تلك المرحلة من خلال مواد صحفية مختلفة نشرتها جريدة «أخبار سوس»، واضعاً أسئلة المشروع ومآله وتداعيات تعثره ضمن أجندة الصحافة المحلية. وتكتسي هذه المتابعة أهمية خاصة اليوم بعدما عاد ملف البورصة إلى الواجهة من جديد، عقب دعوة عامل الإقليم إلى البحث عن حلول لإعادة تشغيل هذا المرفق الحيوي الذي يوجد بجماعة أيت اعميرة على الطريق الوطنية رقم 1.

فعندما ظهر مشروع بورصة البواكر في تسعينيات القرن الماضي، كان الرهان واضحاً المتمثل في إنشاء فضاء منظم لتسويق المنتجات الفلاحية يستفيد منه منتجو وفلاحو اشتوكة آيت باها، المنطقة التي أصبحت لاحقاً من أهم الأقطاب الفلاحية بالمغرب. وتشير المعطيات المنشورة حول المشروع إلى أنه أقيم على مساحة تقارب 17 هكتاراً، مع برمجة مئات البقع والمحلات والمرافق المرتبطة بالنشاط التجاري والفلاحي، وكان يفترض أن يشكل حلقة أساسية في منظومة تسويق المنتجات الفلاحية بالنظر إلى موقع اشتوكة وأهمية إنتاجها من الخضر والبواكر، بل إن مصادر صحفية تحدثت سنة 2007 عن فتح البورصة أبوابها أمام فلاحي المنطقة ومنتجيها واعتبرت المشروع آنذاك رافعة منتظرة للتنمية الاقتصادية بالجهة.

غير أن الواقع الذي ظهر بعد ذلك كان أكثر تعقيداً؛ فالمشروع لم يستطع تحقيق الدور الاقتصادي المنتظر منه، وتحولت أجزاء من فضائه إلى بنايات ومحلات مغلقة، قبل أن يصبح اسم «بورصة البواكر» مرتبطاً في الذاكرة المحلية بمشروع طال انتظاره وتعاقبت محاولات إحيائه دون أن تستعيده المنطقة إلى موقعه الطبيعي داخل الدورة الاقتصادية للفلاحة. وفي هذا السياق، تبرز المتابعة التي قام بها الصحفي الحسين ناصري عبر «أخبار سوس» باعتبارها جزءاً من ذاكرة هذا الملف؛ فمنذ سنوات التسعينيات، لم يتعامل ناصري مع البورصة باعتبارها مجرد مشروع عمراني أو تجاري، وإنما كقضية مرتبطة بمستقبل الفلاحة والاقتصاد المحلي باشتوكة آيت باها. وعبر مواد صحفية متعاقبة، ظل السؤال حاضراً: كيف يمكن لمشروع أنشئ لخدمة منطقة فلاحية بهذا الحجم أن يبقى خارج دائرة الاستغلال الفعلي لسنوات طويلة؟ وهو السؤال الذي اكتسب اليوم وجاهة أكبر، خصوصاً أن الإقليم نفسه أصبح من أهم مناطق الإنتاج الفلاحي، بينما ظلت البورصة عاجزة عن لعب الدور الذي أنشئت من أجله.

والمفارقة أن مرور ما يقارب ثلاثة عقود لم ينه الملف، بل أعاده إلى واجهة النقاش من جديد؛ ففي يوليوز 2025، أعلن عامل إقليم اشتوكة آيت باها عن ضرورة إخراج بورصة البواكر من وضعية التعثر وتحويلها إلى رافعة للتنمية الاقتصادية بالإقليم. وهنا يبدو أن ما ظل يطرح في صفحات الجرائد المحلية منذ سنوات أصبح اليوم أمام اختبار جديد حول ما إذا كانت هذه المرة مختلفة عن سابقاتها، حيث لم يعد الرهان فقط على إعادة فتح البورصة، وإنما على تحديد نموذج اقتصادي واضح لتدبيرها، ومعرفة طبيعة الأنشطة التي يمكن أن تحتضنها، وكيفية إدماجها في المنظومة الفلاحية والتجارية الحالية.

فاليوم تغيرت اشتوكة كثيراً عما كانت عليه في التسعينيات؛ فالإنتاج الفلاحي تطور، والتصدير توسع، وسلاسل التوزيع والتخزين والتبريد أصبحت أكثر أهمية، كما أن المنطقة أصبحت جزءاً أساسياً من الاقتصاد الفلاحي الجهوي والوطني. وبالتالي، فإن إعادة إحياء البورصة لا ينبغي أن تكون مجرد ترميم للبنايات وإعادة فتح المحلات، بل إن المطلوب هو التفكير في مشروع اقتصادي جديد يستفيد من التجربة السابقة ويتجاوز أسباب فشلها، ويجعل من البورصة فضاءً حقيقياً لتجميع وتسويق وتخزين وتثمين المنتجات الفلاحية، وهناك يمكن أن تستعيد الصحافة دورها الرقابي أيضاً من خلال طرح الأسئلة التي رافقت المشروع منذ بداياته.

وبعد سنوات طويلة من المتابعة الصحفية، يبدو أن السؤال الذي ظل يطرح حول هذا المشروع لم يفقد راهنيته: لماذا عجز مشروع أنشئ لخدمة واحدة من أهم المناطق الفلاحية بالمغرب عن القيام بوظيفته كاملة؟ واليوم، ومع إعادة فتح الملف من طرف عامل الإقليم، تتجدد الفرصة للإجابة عن هذا السؤال، ليس فقط من أجل إنقاذ بورصة البواكر، ولكن أيضاً من أجل طي صفحة مشروع ظل لعقود عنواناً للتعثر، وفتح صفحة جديدة تجعل منه رافعة حقيقية لاقتصاد اشتوكة آيت باها.

وإذا كان ملف البورصة قد عاد اليوم إلى مكاتب المسؤولين، فإن أرشيف «أخبار سوس» يذكّر بأن هذا الملف كان حاضراً في الصحافة المحلية منذ عقود، وأن ما يطرح اليوم من أسئلة حول مصيره ليس جديداً، بل هو امتداد لنقاش صحفي وتنموي طويل بدأ منذ السنوات الأولى للمشروع. فبورصة البواكر ليست مجرد بنايات تنتظر من يعيد فتح أبوابها، بل هي ملف عمره ثلاثة عقود وامتحان جديد لقدرة المسؤولين على تحويل مشروع متعثر إلى قيمة مضافة حقيقية لمنتجي وفلاحي اشتوكة آيت باها.

إن النبش في المسار الصحفي للحسين ناصري يتجاوز التغطية الإخبارية المجردة ليصل إلى حدود الترافع الميداني الملتزم بقضايا المواطنين، حيث أثبت عبر محطات متعددة أن القلم الصحفي الصادق قادر على التأثير والإسهام المباشر في التغيير التنموي والإيجابي بالإقليم. ولأن المسار غني بالمواقف والملفات، سنواصل النبش في قضايا إضافية تطرق إليها الصحفي الحسين ناصري في حلقات مقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى