المسار الأممي للصحراء يدخل مرحلة “تثبيت الخيارات الواقعية” تحت سقف القرار الاممي 2797

اخبارسوس

15 يونيو2026

تشهد الدبلوماسية المرتبطة بملف الصحراء المغربية دينامية متسارعة تعكس انتقال النقاش الأممي من مرحلة إدارة التوازنات التقليدية إلى مرحلة إعادة ضبط الأولويات السياسية، في ظل تحركات مكثفة يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا، الذي يواصل جولته الإقليمية عبر محطات متعددة، كان آخرها الجزائر بعد لقائه أطرافا في مخيمات تندوف.

هذا الحراك يمكن قراءته ضمن سياق أوسع أعاد مجلس الأمن رسم ملامحه من خلال القرار 2797، الذي كرس بشكل أوضح أن أي تسوية مستقبلية للنزاع يجب أن تقوم على حل سياسي واقعي وعملي وقابل للتوافق، مع اعتبار مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب الإطار الأكثر جدية ومصداقية داخل النقاش الأممي.

في هذا السياق تكتسب زيارة دي ميستورا إلى الجزائر دلالة سياسية مضاعفة، ليس فقط باعتبارها محطة ضمن جولة إقليمية، بل لأنها تعيد تثبيت حقيقة مركزية في هندسة الملف: الجزائر ليست طرفا هامشيا أو مراقبا، بل فاعل رئيسي في معادلة النزاع، بحكم انخراطها المباشر في رعاية ودعم جبهة البوليساريو واحتضانها لمخيمات تندوف.

هذا المعطى يعيد التأكيد على أن أي حديث عن تسوية سياسية لا يمكن أن يتجاوز موقع الجزائر داخل المعادلة، وهو ما يجعل تحركاتها وبياناتها جزءا من التفاعل المباشر مع المسار الأممي وليس خارج سياقه.

بالتوازي مع ذلك يكشف تزامن هذه الزيارة مع اللقاءات التي عقدها دي ميستورا في أوسلو مع مسؤولين أمريكيين ودوليين عن مستوى متقدم من التنسيق داخل الدوائر المؤثرة في الملف، خصوصا بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة، حيث بات واضحا أن النقاش لم يعد يتم في إطار “إدارة الأزمة”، بل في أفق “تحديد شروط الحل”.

وجود مسعد بولس في هذه المشاورات، إلى جانب فاعلين أمميين وأوروبيين، يعكس بدوره اتجاها متناميا نحو إعادة إحياء المسار السياسي على أساس واقعي، يضع سقفا واضحا للمناورات السياسية التقليدية، ويمنح أولوية لمبدأ التوافق كمدخل وحيد لأي تسوية قابلة للاستمرار.

في المقابل لا تخفي البيانات الصادرة عن الخارجية الجزائرية استمرار تمسكها بخطاب يتعارض مع هذا التحول التدريجي في المزاج الدولي، إذ لا تزال تركز على مقاربات تجاوزها تطور النقاش داخل مجلس الأمن، الذي بات يربط بشكل أوضح بين الحل السياسي ومبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أرضية جدية للتفاوض.

هذا التباين بين الخطاب الجزائري والدينامية الأممية المتسارعة يعكس بوضوح فجوة متزايدة بين منطق “إطالة إدارة النزاع” ومنطق “تسريع التسوية”، وهو ما يضع الملف أمام مرحلة إعادة تموقع الفاعلين وفق موازين جديدة تفرضها التحولات داخل مجلس الأمن وخارجه.

من جهة أخرى فإن تحركات دي ميستورا بين تندوف، الجزائر، أوسلو، وواشنطن، تشير إلى أن المرحلة الحالية ليست مجرد جولة استطلاعية، بل محاولة لتجميع مواقف الأطراف وإعادة صياغة أرضية مشتركة قبل الإحاطة المقبلة أمام مجلس الأمن، التي ينتظر أن تحمل مؤشرات أوضح حول اتجاه المسار السياسي في المرحلة القادمة.

في المحصلة أن الملف يدخل مرحلة دقيقة تتقاطع فيها ثلاث ديناميات كبرى: تثبيت مرجعية القرار 2797، تصاعد التنسيق الأممي الأمريكي، ومحاولة إعادة تموضع الأطراف الإقليمية، وفي مقدمتها الجزائر، داخل مسار لم يعد يحتمل كثيرا من الغموض أو المناورة.

وبين هذه العوامل يبرز اتجاه عام متدرج داخل أروقة الأمم المتحدة نحو ترسيخ مقاربة تعتبر مبادرة الحكم الذاتي أساسا عمليا لأي حل سياسي، في مقابل تضييق هامش الخطابات التي تراهن على إبقاء الوضع في دائرة الجمود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى