تعديلات قانون المحاماة تفتح مواجهة جديدة بين وزارة العدل والمحامين

اخبارسوس/متابعة

16 يونيو2026

افع وزير العدل عبد اللطيف وهبي بقوة عن المقتضيات الجديدة الواردة في مشروع قانون مهنة المحاماة، مؤكدا أن الغاية منها ليست التضييق على المحامين أو المساس باستقلالية الدفاع بل ضمان السير العادي للجلسات القضائية وحماية حق المتقاضين في محاكمة عادلة داخل فضاء قضائي منظم. غير أن هذه التطمينات الحكومية تأتي في وقت دخل فيه المحامون بالمغرب في توقف وطني شامل عن العمل، في مؤشر واضح على اتساع فجوة الثقة بين الوزارة والهيئات المهنية.

وفي الوقت الذي يؤكد فيه وهبي أن المشروع يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين حصانة الدفاع وسلطة القاضي في ضبط الجلسات، ترى جمعية هيئات المحامين بالمغرب أن النص المقترح يتضمن مقتضيات تمس جوهر استقلالية المهنة، ما دفعها إلى إطلاق برنامج احتجاجي غير مسبوق يمتد لأسبوع كامل ويشمل مختلف محاكم المملكة.

خلال مناقشة مواد الباب الخامس المتعلق بـ”حصانة الدفاع” داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، اعتبر وزير العدل أن التشريع الخاص بالمحاماة لا يهم المحامي وحده، بل يشمل كافة مكونات منظومة العدالة، من قضاة ونيابة عامة ومتقاضين وموظفين، موضحا أن أي سلوك يعرقل سير الجلسات ينعكس مباشرة على حقوق المتقاضين وعلى حسن سير العدالة.

وقال وهبي إن الإشكال الحقيقي يكمن في إيجاد الصيغة القانونية التي تضمن للمحامي ممارسة دوره بكل حرية دون أن تتحول الجلسات إلى فضاء للفوضى أو تعطيل الأحكام والإجراءات، مشيرا إلى أن المحاكم تشهد أحيانا مشادات وخلافات تؤثر على السير الطبيعي للمحاكمات، وهو ما يستوجب تمكين القاضي من صلاحيات قانونية واضحة لضبط الجلسة.

وفي محاولة للرد على الانتقادات الموجهة للمشروع، كشف الوزير أن الحكومة تراجعت عن استعمال عبارة “الإخلال بالجلسة” التي أثارت تحفظات واسعة، وتم تعويضها بمفهوم أكثر تحديدا يتعلق بـ”عرقلة سير الجلسة”، معتبرا أن هذا التعديل يعكس انفتاح الحكومة على ملاحظات الفاعلين المهنيين.

كما دافع وهبي عن منح القاضي صلاحيات إدارية مرتبطة بحسن إدارة الجلسة، مؤكدا أن الأمر لا يتعلق بمنحه سلطة عقابية مطلقة، بل بتمكينه من أدوات قانونية تسمح بالحفاظ على النظام داخل المحكمة وضمان استمرار المحاكمة في ظروف عادية.

ولتعزيز موقفه استحضر الوزير نماذج من أنظمة قضائية مشابهة، معتبرا أن بعض الدول تمنح للقضاة صلاحيات أوسع بكثير تجاه المحامين داخل الجلسات، بينما يقتصر النقاش في المغرب على إيجاد آليات قانونية متوازنة تضمن احترام المؤسسة القضائية دون المساس بحقوق الدفاع.

غير أن هذه المبررات لم تنجح في تهدئة غضب الجسم المهني، حيث دخل قرار التوقف الشامل الإنذاري عن تقديم الخدمات المهنية حيز التنفيذ ابتداء من 15 يونيو الجاري، استجابة لقرار جمعية هيئات المحامين بالمغرب التي أعلنت مقاطعة الجلسات والإجراءات المهنية إلى غاية 21 يونيو.

ويعكس هذا التوقف حجم الاحتقان الذي بات يطبع العلاقة بين وزارة العدل ومكونات الدفاع، خصوصا بعد الاتهامات المتبادلة التي تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة على خلفية مشروع القانون الجديد.

ففي الوقت الذي تصر فيه الوزارة على أن النص يروم تحديث المهنة وضمان حسن سير العدالة، تتهم جمعية هيئات المحامين الوزير بتبني خطاب وصفته بـ”التحريضي والاتهامي” تجاه المحاماة ومؤسساتها، معتبرة أن التصريحات الصادرة عنه تضمنت أوصافا مسيئة للمهنة وللنقباء وللهيئات المهنية.

ولم تكتف الجمعية بإعلان الإضراب، بل قررت أيضا مراسلة رئيس الحكومة للاحتجاج على ما اعتبرته استهدافا مباشرا للمحامين، مع التلويح بخطوات تصعيدية إضافية إذا لم يتم فتح حوار جدي بشأن المقتضيات الخلافية.

يضع هذا التطور الحكومة أمام اختبار حقيقي في تدبير أحد أكثر الملفات حساسية داخل منظومة العدالة، خاصة أن الخلاف لم يعد محصورا في بعض المواد القانونية، بل تحول إلى مواجهة مفتوحة حول حدود سلطة القاضي، وضمانات استقلالية الدفاع، وطبيعة العلاقة بين وزارة العدل والهيئات المهنية.

وبينما يؤكد وهبي أن المحكمة “مؤسسة دستورية يجب احترامها” وأن ضبط الجلسات شرط لحماية حقوق المتقاضين، يرى المحامون أن أي تعديل تشريعي يجب أن ينطلق أولا من صون استقلالية الدفاع باعتبارها أحد الأعمدة الأساسية للمحاكمة العادلة. وبين هذين المنظورين، يبدو أن مشروع قانون المحاماة دخل مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: صراع التأويلات بين من يتحدث عن تنظيم العدالة ومن يخشى تقليص هامش استقلالية المهنة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى